في الآونة الأخيرة، أصبح مصطلح "تسريب الأسرار العسكرية" يُستدعى بكثافة كلما استضفنا في بودكاست مبتدأ إحدى الشخصيات العسكرية المتقاعدة، وكأن مجرد الحديث عن التاريخ الوطني أو استحضار التجارب المهنية يدخل تلقائيًا في نطاق المحظور.
حين كنت طالبًا في الدراسات العليا بقسم التاريخ المونوغرافي، استوقفني موضوع الأرشيف العسكري وما يحيط به من مستويات عالية من السرية، رغم ما يكتنزه من معلومات بالغة الأهمية لفهم كثير من الأحداث والمحطات المفصلية في تاريخ الدول والجيوش.
“احتفظ بأكبر عدد من المنافقين إلى جوارك… ولكن إياك أن تتخذ منهم خليلاً أو مشيراً، لأنهم سيصبحون أكبر خطر يتهددك، وسيتحولون إلى ألد أعدائك إن تهاوى ملكك أو ظهر منافس قوي" لك. ميكيافيلي
إن فتح نقاش اليوم حول مراجعة عدد المأموريات الرئاسية أو مدتها يشكل خطأً سياسياً جسيماً. فلا شيء، في ظل الرئاسة الحالية، يبرر إضعاف التوازنات المؤسسية للبلاد أو إعادة فتح مسألة استبعدها المؤسس الدستوري عمداً من أي إمكانية للمراجعة.
ضعفاء الذاكرة، سرعان ما ينسون الأشياء حتى ولو كانوا حديثي عهد بها، وهذا بالفعل ما يقع هذه الأيام مع دعاة المأمورية الثالثة، مع أنهم "مخضرمون" كلهم، كلمة "مخضرم"، تعني أصلا، من عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، ونعني بها هنا مجازا، من كان في أغلبية الرئيس السابق، ولحق، بأريحية تامة، بأغلبية الرئيس الحالي.
استمعت باهتمام إلى خمس صوتيات للنائب والمرشح الرئاسي السابق بيرام الداه اعبيد، تناول فيها قضايا بالغة الأهمية: المأمورية الثالثة، والحوار السياسي، ووضع المعارضة، وملف الفساد والرئيس السابق، ثم عسكرة القطاعات الحكومية. ورغم أهمية كل هذه الملفات، فإنني أتوقف اليوم عند الصوتية الثانية المتعلقة بالجولة الأخيرة من جلسات الحوار بين النظام والمعارضة.
شارك رئيس الجمهورية محمد ولد الغزواني في تغييري :2005-2008 غير الدستوريين، كما وتولى، بحسب الرئيس بيجل ولد هميد، تنسيق مبادرة تهدف لخرق الدستور في مواده المحصنة، وخصوصا فيما تضمنت من تحديد لعدد المأموريات الرئاسية.
لم يعد الحديث عن “مثلث بريماكوف” الأصلي: روسيا – الهند – الصين، سوى ذكرى من عصر ولى، عصر القطب الواحد، فاليوم، ومع تحول الهند نحو الغرب، والتماهي مع مثلث إسرائيل - الإمارات - الهند، ظهر مثلث بريماكوف المعدل: موسكو – طهران – بكين، ليضع إيران في حلبة القوى العظمى ويمنحها دوراً تاريخياً لم تحظَ به أي دولة إسلامية منذ صعود العثمانيين قبل خمسة قرون.
إن وصف دعوة بيرام الداه اعبيد من قبل حزب باستيف بـ"الإهانة الدبلوماسية" لا يستند إلى حجة قوية بالنظر إلى سياق المؤتمر وكيفية سيره. فهذا الوصف يعبر أكثر عن قراءة جدلية وسياسية أكثر مما هو تحليل موضوعي للحقائق والديناميكيات الجديدة التي تميز اليوم العلاقات بين التنظيمات السياسية في المنطقة.
في وقت تتسارع فيه التحضيرات للحوار الوطني الشامل، ويحتل ملف الإرث الإنساني موقعاً متقدماً في النقاشات الجارية، أود أن أجدد التأكيد على الموقف الذي دافعت عنه باستمرار في مداخلاتي العلنية، وفي مختلف النقاشات التي احتضنها المرصد الجيوستراتيجي “دائرة الأفكار” ومجموعة “دائرة الأفكار”.