التحشيد العسكري الأمريكي في الخليج... هل لشن حرب فعلاً أم لتطويع الموقف الإيراني؟

يشهد الخليج تحشيدًا عسكريًا أمريكيًا متزامنًا مع جولة مفاوضات أمريكية-إيرانية جديدة في جنيف برعاية سلطنة عمان، ممثلة بوزير خارجيتها بدر البوسعيدي. يرى مراقبون أن هذه الجولة قد تكون مفصلية، إذ قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة وفق أحد سيناريوهين رئيسيين.

السيناريو الأول: يرجح الكثير من المحللين التوصل إلى اتفاق رغم التصعيد العسكري والإعلامي، معتبرين أن التحشيد الأمريكي يهدف أساسًا إلى الضغط لتحسين شروط التفاوض. يستند هذا الرأي إلى تغيّر في ميزان الردع بعد تطور القدرات العسكرية الإيرانية، خاصة الصاروخية والدفاعية، مما يجعل أي هجوم واسع مكلفًا للغاية.

وفقًا لمؤشرات عديدة، أصبحت إيران تمتلك ترسانة صاروخية متطورة قادرة على الوصول إلى أهدافها رغم المنظومات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية، بالإضافة إلى منظومة دفاعات جوية وبرية وبحرية هجينة (صينية روسية) قادرة على صد أي هجوم وإلحاق أضرار هائلة بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة والقواعد والمدن الإسرائيلية, اي ان اي مغامرة عسكرية امريكية مع ايران سيكون لها كلفة باهظة.

أصبح لدى إيران مصانع تنتج صواريخ باليستية من طرازات مختلفة، مثل:

• خرمشهر-4 (خيبر): صاروخ باليستي بعيد المدى (2000 كم)، يعمل بالوقود السائل، سرعته 16 ماخ خارج الغلاف الجوي، يحمل رأس حربي 1500 كجم، مما يجعله خطرًا استراتيجيًا.

• فتاح-2: صاروخ باليستي فرط صوتي (سرعة 5 ماخ فأكثر)، يتميز بقدرته على المناورة وتجاوز المنظومات الدفاعية.

• خيبر شكان: صاروخ باليستي متوسط المدى بالوقود الصلب، دقيق وصعب الاعتراض.

• سجيل: صاروخ باليستي بالوقود الصلب (2000 كم)، سهل الإطلاق ودقيق الإصابة.

• عماد: صاروخ باليستي دقيق التوجيه، من أبرز الصواريخ بعيدة المدى.

• قدر: صواريخ باليستية (2000 كم)، أثبتت كفاءة عالية في الوصول إلى الأهداف.

كما عززت إيران ترسانتها بمنظومات صينية وروسية، مثل:

• صاروخ PL-17: جو-جو صيني بعيد المدى (أكثر من 400 كم)، سرعة تفوق 4 ماخ، مصمم لاستهداف طائرات الدعم مثل الأواكس والصهاريج، يحمل على مقاتلات J-10C، يستخدم توجيهًا معقدًا (قصور ذاتي، أقمار صناعية، رادار AESA، أشعة تحت حمراء).

• منظومة باستيون الروسية: نظام دفاعي ساحلي متنقل، يعتمد على صواريخ ياخونت (300 كم، 2.6 ماخ)، قادر على إغراق سفن حربية بما فيها حاملات الطائرات.

• نظام HQ-9B الصيني: أرض-جو بعيد المدى (250-300 كم)، تغطية 360 درجة، إطلاق بارد، يدافع ضد طائرات وصواريخ كروز ومسيّرات على ارتفاعات عالية (30 كم)، منافس لـS-300 وS-400، عالي الحركة.

• طائرة KJ-500: إنذار مبكر جوي برادار AESA ثابت، مراقبة 360 درجة، مدى كشف 500 كم، تنسق بين المنظومات لزيادة الفاعلية.

أما الأهم، ففي الساعة 4:02 فجر الأول من فبراير الحالي، سجل مركز فينا للرصد الجيولوجي هزة أرضية بقوة 5.3 ريختر في بوشهر جنوب غرب إيران. لكن أجهزة البنتاغون والموساد فسّرتها كتحرك على عمق 10 كم، غير ممكن للزلازل. وفق تسريبات موقع Axios، رصدت أجهزة الرصد الفضائية والاستشعار "بصمة نووية" فوق بوشهر، حيث محطة بوشهر النووية، وكشفت طائرة WC-135 Constant Phoenix (شمام النووي) ذرات إشعاع نووي، مفسرة كإشارة إلى انفجار نووي محتمل.

هذا التطور كان كابوسًا لإسرائيل والولايات المتحدة، دعمه تصريح تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية في الشيوخ بعد إحاطة سرية من CIA: "الوضع جدي وخطير". حسب تسريبات Axios، رصدت أقمار SAR وطائرات تجسس قوافل شاحنات إيرانية تخرج من الجبال محملة أسلحة غير تقليدية نحو منصات مموهة، مما يفسر تصريح شومر بضرورة مسابقة الزمن لمنع تركيبها على صواريخ بعيدة المدى.

السيناريو الثاني: إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، ونجحت إسرائيل في جر الولايات المتحدة إلى حرب أو ضربة شديدة لإيران، بما في ذلك إسقاط النظام أو إجهاض المشروع النووي، فإن ذلك يعني سيطرة إسرائيلية تامة على الشرق الأوسط بعد نزع سلاح المقاومة في فلسطين وسوريا ولبنان وإيران، ممهدًا لإقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، كما أشار نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وأعضاء الكنيست اليمينيون، وانضم إليهم السفير الأمريكي مايك هاكابي.

من يحبذون هذا السيناريو يرونه الفرصة الأخيرة لإسرائيل أمام تراجع تعاطف الأجيال الجديدة معها، لكشف حقيقتها كدولة قائمة على الإجرام، مما يشكل عبئًا على الولايات المتحدة المتعثرة اقتصاديًا.

أشار تاكر كارلسون في بودكاست 26 فبراير إلى أن هذه الفرصة الأخيرة لإسرائيل لجر أمريكا إلى حرب مع إيران، لأن الأجيال الجديدة تتخلى عن دعم إسرائيل. قال إنهم يمكنهم قطع الإنترنت واعتقال الناس، لكن الوضع لن يعود كالسابق. يدعم إسرائيل فقط الإعلام التقليدي الذي يسيطر عليه اللوبي الصهيوني، ويخدع الجمهور بالبروباغندا. وجه كلامًا لهم: لا يمكنكم إقصاء توماس ماسي وأنصاره (نائب جمهوري معارض للحرب على إيران)، "هناك جيش كامل منهم قادم".

في السياق نفسه، أظهر استطلاع غالوب في 27 فبراير تعاطفًا غير مسبوق مع الفلسطينيين (41%) مقابل 36% مع الإسرائيليين، في سابقة منذ 2001. تراجعت مكانة إسرائيل، خاصة بين المستقلين (41% فلسطينيين مقابل 30% إسرائيليين)، بعد ميل تاريخي لإسرائيل. انخفضت النظرة الإيجابية لإسرائيل 6 نقاط، ارتفعت لفلسطين 10 نقاط في العام الماضي، و26 نقطة منذ قبل حرب أكتوبر 2023. يؤيد 57% إقامة دولة فلسطينية، ذروة بين الديمقراطيين (77%)، المستقلين (57%)، والجمهوريين (33%).

يعزو المراقبون هذا إلى الحركات الشعبية المؤيدة لفلسطين، التي كسرت المحرمات عبر الحراك الطلابي، حملات المقاطعة، الضغط في الكونغرس، والتواصل الاجتماعي، مع توثيق الانتهاكات الإسرائيلية.

يعزز ذلك تقرير Axios: خسرت كامالا هاريس انتخابات 2024 أمام ترامب بسبب دعم بايدن لإسرائيل في حرب غزة. مراجعة داخلية لـDNC خلصت إلى فقدان أصوات الشباب (18-29) بسبب موقف الإبادة. أخفت القيادة التقرير خوفًا من التداعيات، حتى كشفه Axios. هذا يؤسس للقضية الفلسطينية كورقة انتخابية تحدد مصير مرشح رئاسي.

في حوار مع دوغ ويلسون، دافع كارلسون عن حرية التعبير، وألقى قنبلة: "90% من أعضاء الكونغرس يتلقون أموالاً من لوبي أجنبي" (إشارة إلىAIPAC). تساءل: كيف يفيد أمريكا؟ رده على تهمة "معاداة السامية": من يشتم بدلاً من الإجابة يفتقر للمنطق ويرهب للتغطية. بهذا يفكك سلاح "معاداة السامية" ويفضح هيمنة اللوبي اليهودي.

في تقديري، إزالة سطوة إيران كقوة إقليمية ليست من مصلحة الولايات المتحدة، فقد لعبت دور فزاعة استخدمتها أمريكا وإسرائيل لتخويف دول الخليج ودفعها للارتماء في الحضن الأمريكي-الصهيوني، مما أدى إلى اتفاقيات تطبيع، تنافر إقليمي، واختراق صهيوني للمجتمعات.

بعض المراقبين يعتقدون بنظرية مؤامرة: إسرائيل واللوبي يدركان أن جر أمريكا إلى حرب مع إيران يضعفها أو ينهيها كقوة عظمى، مما يتيح نقل الأموال اليهودية إلى الهند المرشحة للصعود، لتحل محل أمريكا في حماية إسرائيل. يفسر ذلك استقبال رئيس وزراء الهند لتل أبيب في 27 فبراير، ودفع اللوبي لترشيح الهند لعضوية دائمة في مجلس الأمن. لكن ذلك قد يفشل لأسباب موضوعية: غالبية الهنود تحت خط الفقر، مشاكل بنيوية، مكيافيلية رئيس الوزراء (علاقات سطحية، تحول من حليف ترامب إلى غريمه)، ومصالح هندية مع الدول العربية أكبر (نحو 10 ملايين عامل هندي في الخليج، يضخون ما يقارب 150 مليار دولار سنويًا في الاقتصاد الهندي).

أخيرًا، المشهد بين احتمالين: التحشيد كأداة ضغط تفاوضي لبلورة اتفاق يؤجل المواجهة، أو تصعيد إلى صراع واسع إذا فشلت الدبلوماسية. في كل الأحوال، كلفة الصراع مرتفعة، مما يجعل التفاوض الخيار الأقل مخاطرة.

 

د. سمير الددا

[email protected]

سبت, 28/02/2026 - 17:32