الباحث إسماعيل محمد خيرات: موريتانيا فوتت فرصة لتكون في قلب مشروع الساحل التحرري

في هذا الحوار الخاص مع أقلام، يتحدث المفكر والكاتب الموريتاني إسماعيل محمد خيرات عن زيارته الأخيرة إلى بوركينا فاسو ومشاركته في مؤتمر إعلام الجامعات الإفريقية (UACO 2025)، حيث قدّم ورقة حول الوعي السيادي ودور الإعلام الاستراتيجي في ترسيخه داخل المجتمعات الإفريقية.

ومن خلال هذه المقابلة، يقدّم خيرات قراءة فكرية وسياسية معمّقة للتحولات الثورية الجارية في دول الساحل وموقع موريتانيا منها، كما يناقش مفاهيم السيادة والتحرر من التبعية، والعلاقة بين مشروع الاستقلال الوطني ومتطلبات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

أقلام: بدايةً، ما هو السياق العام الذي جاءت فيه زيارتكم إلى بوركينا فاسو؟ وما الدوافع الأساسية التي حفزتكم على الزيارة في هذا الظرف الجيوسياسي الدقيق الذي تمرّ به منطقة الساحل؟

 

إسماعيل محمد خيرات: جاءت زيارتي إلى بوركينا فاسو في إطار مشاركتي في الدورة الرابعة عشرة من مؤتمر إعلام الجامعات الإفريقية في واغادوغو (UACO 2025)، وذلك بدعوة رسمية من وزارة الاتصال والثقافة والفنون والسياحة في بوركينا فاسو.

والهدف المحوري من الزيارة هو تقديم مداخلة حول الوعي السيادي في غرب إفريقيا، ودور الإعلام الاستراتيجي في نشره، وذلك ضمن نقاشات تتعلق بالسيادة والتعددية القطبية والاحتواء الإعلامي والسرديات المضللة والتحرر الفكري للشعوب الإفريقية.

وقد شهدت هذه الدورة حضورًا ومواكبة من وزراء الإعلام في تحالف دول الساحل الثلاث (AES)، إلى جانب عدد كبير من الإعلاميين والباحثين والصحفيين القادمين من مختلف الدول الإفريقية، ما جعل منها فضاءً للحوار والتعاون حول القضايا الإعلامية والجيوسياسية في القارة.

 

أقلام: كيف تقرأون اليوم المشهد العام في بوركينا فاسو، البلد الخارج حديثًا من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، في ظل ما تصفه القيادة هناك بـ«ثورة شعبية تقدمية»؟

 

إسماعيل محمد خيرات: بوركينا فاسو هي الدولة الوحيدة في إفريقيا، وربما في العالم، التي أعلنت رسميًا أنها تعيش أوضاعًا ثورية. والثورة، كما هو معلوم، تحوّل اجتماعي جذري سريع وشامل؛ وهذا يعني أنها ليست دولة ديمقراطية بالمعنى الإجرائي، بل دولة ثورية.

سعدت كثيرًا بهذه الفرصة لرؤية بلد يعيش تحولات ثورية معلنة رسميًا؛ أي أنها مقصودة وواعية. كنت قد قرأت كثيرًا عن التحولات الثورية، وخاصة في حالتين بارزتين عرفهما العالم العربي والإسلامي: مصر عبد الناصر وإيران الثورة الإسلامية. وكانت لدي رغبة شديدة في رؤية حقيقة ما يجري في بوركينا فاسو بشكل مباشر، وما تدّعيه السلطات هناك بأنها تعيش ثورة تقدمية شعبية.

لا أخفيكم أنني قبل وصولي كنت أتوقع بعض الخشونة في التعامل وحتى في المنظر العام في الشارع؛ فالثورات لها أوجه، وأحيانًا لها أقنعة. ومع ذلك، كان أول ما وقع عليه نظري وأنا لا أزال في المطار، منتظرًا ختم الدخول، لافتة كبيرة في الرُّدهة الداخلية فوق مكاتب إجراءات الدخول، مكتوب عليها بالإنجليزية والفرنسية ما معناه: يُحظر حظرًا باتًا تقديم أي مبالغ لمسؤولي المطار خارج الرسوم المطبقة، ومن لاحظ شيئًا من هذا فعليه التبليغ عنه. كانت هذه اللافتة بمثابة مصافحة بيني وبين الثورة في بوركينا فاسو؛ أحسست بانشراح داخلي وتوقعت أن يكون ما ينتظرني أفضل، وقد صدق حدسي ولله الحمد. كما أن السلوك العام في المطار كان مهذبًا ومحترمًا، يذكّر بأدب شعوب شرق آسيا وانضباطهم.

وفي هذا السياق، وقبل الدخول في تقييم ما رأيت وسمعت، أؤكد لكم أنني عكس ما كنت أتوقع لم أرَ صورًا في الشوارع للرئيس إبراهيم تراوري، سوى صورة واحدة له بحجم متوسط يظهر فيها في غرفة مستشفى وهو يتبرع بالدم. كذلك لم تكن هناك أي صورة له داخل قاعة المؤتمر ولا خارجها، والخطابات الرسمية للمسؤولين لم يُذكر فيها اسمه بشكل طاغٍ. أما المفاجأة الحقيقية فهي أنه لم يكن أحد يصفّق عندما يُذكر اسمه، كما نفعل نحن في الدول الديمقراطية عند سماع اسم الرئيس.

ومن الأمور الشكلية ذات الدلالة أنني قلت مرةً للسائق الذي يرافقني إنني ألاحظ أن الناس هنا منضبطون؛ فلم أرَ خصامًا أو شجارًا في الشارع ولا زحمة سير. فسألته: هل هذه هي طبيعتكم؟ فأجاب: نعم، الناس هنا لا يحبون العنف، ولكن هناك أيضًا أوامر عليا. قلت: كيف ذلك؟ فقال: أعلنت الحكومة أن أيّ اثنين تعثر عليهما الشرطة يتشاجران فسيُرسلان إلى الجبهة للقتال؛ لأنه ما دام أنهما، أو أحدهما، يشعر بالقوة فنحن نحتاجه لمواجهة الإرهابيين.

 

أقلام: هل تعتقدون أن التحول الجاري في بوركينا فاسو يُعبّر فعلًا عن وعي جماعي جديد، أم أنه ما يزال ضمن حدود التجربة السياسية المغلقة داخل النخب الحاكمة؟

 

إسماعيل محمد خيرات: قضية الوعي الجماهيري في مقابل وعي النخب، والتغيير النابع من الشعب مقابل التغيير المفروض من الأعلى، هي إحدى الإشكالات النقاشية، وقريبًا من هذا كانت تدور ورقتي. ومع ذلك، ففيما يخص بوركينا فاسو بالذات، يجب ألا ننسى أن هذا البلد يعيش تجربته الثورية الثانية؛ فقد كانت فترة القائد البوركينابي الشهير توماس سانكارا ماثلةً في الأذهان، وكانت — على نحوٍ ما — تمهيدًا لشيءٍ أكبر. ولذلك تنظر السلطة الثورية الآن إلى سانكارا بوصفه الأب الأوحد للثورة الحالية.

وكما تعلمون، فقد أُجهضت تلك الثورة السنكارية أواخر الثمانينيات على أساس أن الخطابات الحماسية الطوباوية لا تبني الدول، بل الاستقرار والتصالح مع النظام الدولي والديمقراطية هو ما يبني الدول ويجلب الازدهار والتنمية؛ هذا كان خطاب الإعلام الرسمي آنذاك. لكن ماذا تحقق بعد سانكارا طوال خمسة وثلاثين عامًا؟ هل تطورت بوركينا فاسو؟ لا. بل ظلت، رغم ثرائها بالموارد وحيوية شعبها، تُصنَّف في ذيل قوائم النمو عامًا بعد عام. ثم جاءها الإرهاب وهي بلا سلاح ولا جيش أو عتاد، لأن النظام السابق دمّر الجيش خوفًا من الانقلابات. يبدو لي أن البوركينابيين واعون بهذا كله؛ فقد عاشوا تجربة علّمتهم الكثير.

 

أقلام: ما أبرز الأفكار التي تضمنتها ورقتكم المعنونة بـ«الوعي السيادي في غرب إفريقيا ودور الإعلام الاستراتيجي في نشره»؟

 

إسماعيل محمد خيرات: أدخلت تعديلات على الورقة؛ مثلًا، أضفت قبيل العرض عبارة: رؤية مُطبَّقة على نظرية الانتشار كنهجٍ مقترحٍ لنشر الوعي السيادي في المجتمع. وفي الحقيقة، استفتحت مداخلتي بالتأكيد على انتماء بلدي لفضاء الساحل بغض النظر عن المواقف والخيارات الجيوسياسية لبلدانه، وأننا شعب يعي الهمَّ والطموح الإفريقيين مثل غيره من الشعوب الإفريقية.

تحدثتُ عن السيادة بوصفها مفهومًا يتجاوز الاستقلال السياسي وامتلاك القرار إلى الكرامة الوطنية وامتلاك القوة التي تحمي القرار والبنى الداخلية، والقدرة على مواجهة الخطر قبل وصوله إلى فضاء الأوطان، وعلى تتبّع المعتدي وضربه حيث يوجد؛ فهذه مؤشرات السيادة.

قلتُ إن السيادة منظومة متعددة الأبعاد: اقتصادية، وسياسية، ونقدية، وثقافية، واليوم أصبحت هناك ضرورة لسيادة في مجال الرقمنة بما يقتضي حماية البيانات الرسمية وتحصين الفضاء السيبراني للدول. هذه أمور لا بد أن تتوافر مجتمعةً لكي يوصف بلدٌ ما بأنه ذو سيادة؛ فلا يكفي أن تكون لديك عملتك الوطنية لتقول إنك دولة ذات سيادة، لأن السيادة سلة متكاملة، ونقصُ عنصرٍ واحدٍ من مقوماتها ينزعها في النهاية.

ثم تطرقتُ إلى مؤشرين للحكم على السير في طريق السيادة: وجود قيادة متبصّرة تُحارب من أجل ذلك، وتزايد الوعي السيادي لدى عموم الشعب. فالقيادة المتبصّرة أمرٌ يرتبط بالمقادير وقد تظهر في بلدان لم يكن أحد يتوقعها، أما الوعي السيادي فيرتبط بالتعليم والإعلام والتثقيف واستراتيجيات الاتصال. واقترحت في هذا الصدد تطبيق نظرية انتشار المبتكرات والأفكار الجديدة بمراحلها المعروفة: الابتكاريون، ثم المتبنون الأوائل، ثم الأغلبية الأولى، ثم الأغلبية الثانية؛ وهي قابلة للتطبيق إذا توفّر الإشراف المطلوب.

 

أقلام: ما قراءتكم لمآلات الثورات الجارية في منطقة الساحل، خصوصًا في بوركينا فاسو والنيجر ومالي؟

 

إسماعيل محمد خيرات: قراءتي لمآلات الثورات في تحالف دول الساحل هي قراءة ترقّب وخشية؛ فالأعداء المتربصون كُثُر، والمحيط — في معظمه — معادٍ ومتآمر. ومع ذلك أرجو أن يتزايد التأييد والتعاطف الشعبي، خصوصًا في البلدان المحيطة مثل ساحل العاج وبنين وموريتانيا وتوغو… فهذا أمرٌ مهم ويدخل في صميم تطوير الوعي السيادي.

 

أقلام: هل نحن أمام تحررٍ حقيقي من التبعية، أم أمام إعادة إنتاجٍ لنظام نفوذٍ جديدٍ بوجوهٍ مختلفة؟

 

إسماعيل محمد خيرات: نحن أمام تحررٍ من التبعية للمنظومة النيوباستعمارية التي خلَفت — بشكل مقصود ومُرتَّب — الاستعمارَ الرسمي المُعلن. وإذا كان المقصودُ بـ«تبعية جديدة» هو روسيا أو الصين، فالحقيقة أن روسيا — مثلًا — تتقدم بصيغة بناء تحالفات واضحة بهدف خلق كتلٍ جيوسياسية داعمة لرؤيتها الأوراسية، ولا تسعى لتأسيس مستعمرات في إفريقيا أو غيرها؛ فروسيا تاريخيًا ليست دولة استعمارية.

ومع ذلك، يوجد نقص كبير في التواصل معها بسبب حاجز اللغة وغياب التعاطي مع النخب. ولا أدل على ذلك من أن كتاب «أسس الجيوبولتيكا: مستقبل روسيا الجيوبولتيكي» لألكسندر دوغين — وهو معين لفهم السياسة العليا لروسيا — مجهولٌ لدى كثيرٍ من المثقفين الأفارقة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أغلب المفكرين الروس. هذا كله نتيجة الشرخ المقصود الذي أحدثته السردية الغربية حول روسيا. والخلاصة: روسيا تقدم نفسها حليفًا لا مستعمِرًا. وكما قال نكروما: إن النيوباستعمارية لا تُهزم إلا بالتحالف مع قوة عالمية صاعدة تريد تغيير النظام الدولي القائم.

 

أقلام: ما العوامل التي ستحدد، في رأيكم، نجاح أو فشل هذا المسار الثوري في ترسيخ السيادة الوطنية وبناء دولةٍ مستقلة الإرادة؟

 

إسماعيل محمد خيرات: أولُ هذه العوامل التماسك الداخلي بين دول التحالف؛ فهذا هو مربط الفرس. كذلك فإن تزايد قوة وانتصارات كتلة التعددية القطبية بقيادة روسيا والصين أمرٌ بالغ الأهمية، وسيكون له تأثير كبير على مسار الأمور مستقبلًا. ومن العوامل الأخرى النجاح في كسر الطوق الخارجي لمنظومة الإيكواس. هذه كلها أمورٌ جوهرية لنجاح مشروع تحالف دول الساحل.

 

أقلام: أين تقف موريتانيا اليوم من هذا التحول الإقليمي؟

 

إسماعيل محمد خيرات: لفت انتباهي أن أغلب من تحدثوا معي حول موريتانيا يُبدون إعجابهم بخبرتها في مواجهة الإرهاب، ويعتبرونها مثالًا حيًا على إمكانية الانتصار عليه. إلا أن موريتانيا — في تصوري — فوّتت فرصة كبيرة بابتعادها عن فضاء الساحل الذي تؤهلها كل الظروف لأن تكون مؤثرة في مساره. وعلى كل حال، أملُنا كبير في أن تبتعد عن مقاربة الناتو وتتبنّى مقاربتها الخاصة النابعة من انتمائها وخصوصيتها الجغرافية والتاريخية.

 

أقلام: باعتباركم من الأصوات الفكرية المبكرة التي دافعت عن مشروع التحرر في دول الساحل وكتبتم فيه بإسهاب، كيف ترون تطوّر هذا المشروع اليوم؟ وهل ما يزال يحمل الأمل الذي بشّرتم به؟

 

إسماعيل محمد خيرات: أعتقد أن التحولات الجارية في تحالف دول الساحل بالغة الأثر: تفكيك البُنى الاستحواذية الأجنبية يجري بوتيرة متلاحقة، والشركات الناهبة الكبرى — التي كانت بمثابة دول داخل الدولة — يجري تحجيمها، والترسانة العسكرية تتطور بسرعة، والإصلاحات الاقتصادية التي تثمن المنتج المحلي تتعزز وتتطور، وإجراءات الاستقلال النقدي تتلاحق، والتكامل البيني يتعزز. ثمة أسباب كثيرة تدفع للاعتقاد بأننا أمام تجربة غير مسبوقة في تاريخ إفريقيا الحديث.

 

أقلام: كيف تنظرون إلى التحالفات الجديدة مع روسيا في هذا السياق؟ هل هي خيارٌ استراتيجي بديل أم مجرد رد فعل على خيبات الماضي مع الشركاء التقليديين؟

 

إسماعيل محمد خيرات: ينبغي التنبيه إلى أن روسيا بوتين تختلف عن الاتحاد السوفياتي كما يختلف الاتحاد السوفياتي عن روسيا القيصرية، إلا أن الجوهر متشابه؛ فهناك ثوابت ترتبط بالأصول التقليدية للجيوبولتيك. روسيا أمّة برّية تدافع عن موقع وثقافة يناقضان القيم العولمية لأمم البحار التي يمثلها الغرب الليبرالي. في هذا الصراع المرهق والمكلف، لا تدّخر روسيا جهدًا في بناء ما تستطيع من أحلاف وكتل داعمة لما تسعى إليه من تعدديةٍ قطبية وكسرٍ للهيمنة الأمريكية. هذا هو المناخ الجيوبولتيكي الذي استفادت منه مجموعة تحالف دول الساحل. وإذن، نعم: التحالف مع روسيا خيارٌ واقعيٌ مطلوب، بل هو — على نحو ما — قارب نجاة.

 

أقلام: يرى بعضهم أن خطاب السيادة يُستخدم اليوم لتبرير القطيعة والانغلاق. ألا تخشون أن يتحول المشروع الذي دافعتم عنه إلى نقيض فكرته الأصلية؟

 

إسماعيل محمد خيرات: هناك مؤشرات عديدة تؤكد أن نهج تحالف دول الساحل يحظى بإعجاب الكتل الشبابية في عموم إفريقيا، وهناك سيناريوهات تتحدث عن إمكانية توسّع التجربة لتشمل بلدانًا إفريقية أخرى. كما أن المؤتمرات والتظاهرات الدولية في بوركينا فاسو تكاد لا تُحصى؛ فعلى سبيل المثال، يعرف الجميع مهرجان فيسباكو بواغادوغو — أكبر تظاهرة للسينما الإفريقية. وفي هذا المؤتمر قُدمت 24 ورقة، كثيرٌ منها من مشاركين من خارج دول التحالف. ليست هذه، إذن، مؤشرات على العزلة والانغلاق. وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن ما يُقال الآن عن حالة بوركينا فاسو الثورية قيل مثله عن تجربة جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات؛ فقد واجه محيطًا معاديًا وتشويشًا وتشويهًا إعلاميًا، ومع ذلك ترك أثرًا بالغًا في بلده والمنطقة.

 

أجرى الحوار: أ. الهادي

اثنين, 13/10/2025 - 10:29