
واجب التحفظ ليس ترفاً أخلاقياً، بل ضمانة دستورية لحياد القاضي واستقلاله؛ وتأسيسا لذلك نصت المادة 55 من النظام الأساسي للقضاة الموريتاني رقم 2016-010 على وجوب "التزام التحفظ في كل الظروف"(1) على القاضي. وتؤكد ذلك جميع المدونات الأخلاقية - الخاصة بالقضاة، وكتاب الضبط، والمهن القانونية الحرة في موريتانيا- المعتمدة يوم 13 ديسمبر 2025 ضمن المبادئ الكبرى: الاستقلالية التامة، الحياد والمساواة، النزاهة والاستقامة، ووجوب التحفظ في الحياة العامة والخاصة.(2)
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التحفظ إلى دور سلبي مطلق للقاضي، فيغيب صوت القاضي عن النقاش العام حول إصلاح الحكامة القضائية. وكأنه رجل آلي ينتظر ثم يطبق نصوص القانون الملزمة له بمقتضى الاختصاص! خاصة وأن الدستور الموريتاني يؤكد بمقتضى المادة 10 على "ضمان الحريات العامة والفردية لكافة المواطنين، وتُعد حرية التعبير من أبرز هذه الحريات"(3). وعليه فإن القضاة وكتاب الضبط وأصحاب المهن القانونية الحرة مشمولون بالحماية الدستورية بصفتهم مواطنين مثل غيرهم.
ولكن كيف يشارك القاضي في اثراء الفكر القانوني دون أن يخل بواجبه؟ وكيف يرسم خطاً فاصلاً بين المسؤولية المهنية وحرية التعبير؟
القانون : ما المسموح وما الممنوع؟
الفقه القضائي والقانون المقارن يفرقان بوضوح بين دائرتين:
أ. تتحدد دائرة الممنوع المطلق في النقاط التالية:
▪ التعليق على قضية منظورة أو قابلة للعرض أمام القضاء، لأن ذلك يمس مبدأ المحاكمة العادلة.
▪ انتقاد حكم قضائي بعينه صدر أو لم يصدر بعد، لأنه يوحي بعدم احترام درجات التقاضي وحجية الأحكام.
▪ الانخراط الحزبي والتصريحات السياسية، لأنها تمس حياد القاضي الظاهر والفعلي.
▪ الإدلاء بتصريحات إعلامية أو عبر التواصل الاجتماعي تخص العمل القضائي دون ترخيص مسبق، وفق مدونات الأخلاقيات الموريتانية (4).
وقد أثبت القانون الموريتاني هذا المبدأ مثلما أثبتته جميع القوانين المقارنة، مثل القانون المغربي المادة 38(5)، والقانون التونسي المادة 84(6)، وفي فرنسا المادة 10 من الأمر رقم 58-1270 المؤرخ 22 ديسمبر 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة التي تشترط "واجب التحفظ والاستقامة"(7).
ب. دائرة المسموح المشروط
▪ مناقشة المبادئ العامة للقانون وتفسير النصوص نظرياً.
▪ تحليل الإشكالات المنهجية التي تعترض تطبيق العدالة.
▪ اقتراح إصلاحات مؤسسية مبنية على الإحصاء والدراسة.
▪ المساهمة في الفكر القانوني عبر المحاضرات والبحوث والمقالات العلمية باعتبارها جزءاً من "الكفاءة والاجتهاد" التي تفرضها المدونات الأخلاقية.
وفي هذا المقام فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكدت في قضية "Baka ضد المجر" رقم 20261/12، حكم 23 يونيو 2016 أن عزل رئيس المحكمة العليا بسبب انتقاده لمشروع إصلاح قضائي يمثل انتهاكاً للمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحرية التعبير(8). فالقاضي له الحق في المشاركة في النقاش العام حول شؤون العدالة كمواطن وكخبير.
وخلاصة القول في هذا الصدد أن الفرق دقيق بين "نقد المنهج" و"نقد النتيجة". وهنا نتحدث عن القاعدة لا عن القضية.
التحديات الثلاثة أمام القاضي الموريتاني المصلح
أ. التباس الحدود: أين ينتهي التحليل القانوني الموضوعي ومتى يبدأ التعليق السياسي؟ تلتبس الحدود عند غياب معايير واضحة وهو ما يدفع كثيراً من القضاة إلى "الرقابة الذاتية المفرطة" واختيار الصمت هرباً من مساءلة لجنة الأخلاقيات القضائية لدى المجلس الأعلى للقضاء.
ب. ضغط السوشيال ميديا: في زمن "تويتر" و"فيسبوك" و"الذكاء الاصطناعي" و"العدالة التنبؤية" يطلب الرأي العام موقفاً فورياً من القضاة، خاصة في قضايا الإرهاب والهجرة وحقوق الإنسان. بينما طبيعة العمل القضائي قائمة على التأنّي وسرية المداولات واللباقة وحسن الاستماع واحترام درجات التقاضي وفق الأصول الإجرائية.
ج. غياب ثقافة النقد البناء المؤسسي: في بعض الأنظمة، يُفهم أي نقد داخلي على أنه تمرد. فيضطر القاضي المصلح إما للصمت، أو للكتابة خارج القنوات الرسمية فيُتهم بالإفشاء، رغم أن مدونة الأخلاقيات نفسها تلزمه بـ "الحرص على تطوير المهارات القانونية".
أربع آليات عملية للتوفيق بين التحفظ والمسؤولية المهنية (تجربة شخصية)
من خلال تجربة أكثر من عقدين من الزمن في البحث الأكاديمي والقضاء، يتضح لنا أن هنالك آليات عملية، وفق الممارسة وتراكمات التجربة، من شأنها تحفظ للقاضي الموريتاني الحد المطلوب من التوازن بين واجب التحفظ والحق في المشاركة في إثراء النقاش القانوني حول الحكامة القضائية:
أ. التأطير المسبق الصريح: أبدأ مقالاتي دوماً بجملة: "في حدود ما يفرضه واجب التحفظ، وبمقتضى المسؤولية المهنية والأخلاقية...". هذه العبارة تضع القارئ داخل الإطار المهني وتقطع الطريق على أي تأويل سياسي.
ب. انتقاء الموضوع المجرد: القاعدة الذهبية: لا تكتب عن قضية، اكتب عن قاعدة. إختر مواضيع عامة مثل: "القاضي وفهم القانون"، "استقلالية القضاء وضماناته"، "الحوار الوطني وسيادة القانون: تأملات مشروعة"، "العبودية وسوء الاستغلال"، "تعزيز السياسة الجنائية في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية"، "الحرية الدينية واحترام رموز الدين"، "الطرح الإيجابي لحقوق الإنسان: الدولة وهيئات المجتمع المدني المختص"، "بين يدي المجلس الأعلى للقضاء...". وفي إطار الفقه المقارن، هذه المقاربة معتمدة من قبل "الجمعية الفرنسية للقضاة" Union Syndicale des Magistrats في نشراتها(9).
ج. اللغة المهنية البناءة: نبتعد عن الخطابة. نعتمد "النقد البنّاء الموجه للمؤسسة" لا للأشخاص، ونستخدم مصطلحات قانونية دقيقة ونستند إلى تقارير رسمية. الهدف هو تعزيز الإصلاح لا خلق العداوات، امتثالاً لمبدأ "النزاهة والاستقامة".
د. الإحالة للحلول المؤسسية المعتمدة: لا نكتفي بالتشخيص. نحيل دائماً إلى الوثيقة الرسمية لإصلاح وتطوير العدالة، ونقترح تفعيل ما تم الاتفاق عليه. وفي دول الجوار مثل المغرب بعد "الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة 2013" أصبح القضاة يعلقون على آليات التفعيل، فحماهم ذلك وأعطى لطرحهم المصداقية المطلوبة لحسن سير العمل.
دروس من القانون المقارن
وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نسترشد ببعض النظم القضائية والقوانين المقارنة، مثل كندا حيث أن: "مدونة السلوك القضائي" الصادرة عن المجلس الكندي للقضاء 2021 تسمح للقاضي بالكتابة والتدريس والمشاركة في النقاش العام، بشرط عدم المساس باستقلاله أو النزاهة الظاهرة (10).
وأيضاً في ألمانيا فإن: القضاة أعضاء فاعلون في "الجمعية الألمانية للقضاة" Deutscher Richterbund وينشرون دراسات نقدية عن قوانين الإجراءات، ويُعتبر ذلك جزءاً من واجبهم المهني(11).
أما في تونس: فبعد 2011، أصبحت "جمعية القضاة التونسيين" منبراً للإصلاح، مع التزام صارم بعدم التعليق على القضايا المنظورة(12).
ويلاحظ أن القاسم المشترك والدرس المستخلص من مقاربات الدول المتقدمة قضائياً أنها لا تطلب من القاضي الصمت، بقدر ما تطلب منه "مساهمة مسؤولة" تحترم الوقار وتصون هيبة المرفق.
الخاتمة: التحفظ إطار لا قيد
واجب التحفظ ليس قيداً يخنق القاضي، بل إطار قانوني وأخلاقي يحميه ويحمي هيبة القضاء. ترتكز المدونات الأخلاقية الخاصة بالقضاة وكتاب الضبط والمهن القانونية الحرة في موريتانيا، التي تم اعتمادها 13 ديسمبر 2025، على مبادئ كونية مستمدة من المرجعيات الدولية والإسلامية لضمان استقامة القضاء وتحصينه، وتخضع لرقابة لجنة الأخلاقيات القضائية بالمجلس الأعلى للقضاء المنبثقة عن المدونة.
إن التحدي الحقيقي هو أن يملأ القاضي هذا الإطار بمضمون فكري رصين يساهم في تطوير العدالة. وتزداد الحاجة إلى هذا التوازن عندما نعالج قضايا حساسة كحقوق الإنسان والإرهاب والهجرة، الخاضعة لرقابة "اللجان الأممية لحقوق الإنسان" وغيرها من الآليات المتخصصة، وآليات وطنية أخرى في حدود احترام استقلال القضاء.
هنا يكون التوفيق بين التحفظ والمسؤولية المهنية شرط لنجاح الإصلاح المطلوب، وضمانة لثقة المواطن في قضاء عادل ومستقل، ولصيانة حقوق المتقاضين كما يجب.
قائمة الهوامش:
(1) المادة 55 من القانون رقم 2016-010 الصادر بتاريخ 13 يوليو 2016 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة الموريتاني: "يلتزم القاضي بالتحفظ في كل الظروف".
(2) المدونات الأخلاقية الخاصة بالقضاة، وكتاب الضبط، والمهن القانونية الحرة في موريتانيا، المعتمدة من المجلس الأعلى للقضاء يوم 13 ديسمبر 2025، الباب الأول: المبادئ العامة.
(3) المادة 10 من الدستور الموريتاني الصادر بتاريخ 20 يوليو 1991 المعدل: "يضمن الدستور لكافة المواطنين الحريات العامة والفردية... وحرية الرأي والتعبير".
(4) المادة 38 من الظهير الشريف رقم 1.74.467 الصادر في 11 ربيع الآخر 1394 الموافق 12 مايو 1974 بمثابة النظام الأساسي لرجال القضاء المغربي: "يجب على القضاة الامتناع عن كل سلوك يخل بواجب التحفظ والالتزام المهني".
(5) المادة 84 من القانون الأساسي عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 يوليو 1967 المتعلق بالقانون الأساسي للقضاة التونسي: "يتعين على القاضي أن يلتزم في سلوكه المهني والشخصي بواجب التحفظ بما يحفظ كرامة القضاء وثقة المتقاضين فيه".
(6) Ordonnance n° 58-1270 du 22 décembre 1958 portant loi organique relative au statut de la magistrature, article 10: "Les magistrats sont astreints à une obligation de réserve et de loyauté".
(7) Cour européenne des droits de l’homme, Affaire Baka c. Hongrie, requête n° 20261/12, arrêt du 23 juin 2016, §165-172.
(8)Union Syndicale des Magistrats, "Charte d’éthique et de déontologie des magistrats", adoptée en 2018, titre II.
(9) الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، المملكة المغربية، 2013، المحور الرابع: تخليق منظومة العدالة وتعزيز استقلالية القضاء.
(10) Canadian Judicial Council, "Ethical Principles for Judges", 2021, Principle 4: Public Comment and Criticism.
(11) Deutscher Richterbund, "Satzung und Berufsordnung", §3: Rechtund Pflicht zur Mitwirkung an der Fortentwicklung des Rechts.



.jpeg)

.jpeg)