
أكد الرئيس غزواني في لقائه مع الصحافة الأخير أن موريتانيا لم تتعاقد حتى الآن مع أي جهة لتطوير حقل بير الله بعد انتهاء مسار شركة BP وفسخ العقد معها حوله، وقد يبدو هذا التصريح عادياً للبعض، لكنه في الحقيقة يكشف عن لحظة استراتيجية نادرة، وربما عن فرصة العمر التي لم تتح لموريتانيا منذ الاستقلال ، فحقل بير الله ليس مشروعاً عادياً، بل هو واحد من أكبر حقول الغاز غير المطورة في العالم، إذ تقدر احتياطاته بنحو 80 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، مع قدرة إنتاجية متوقعة تصل إلى أربعة مليارات قدم مكعب يومياً، وإنتاج سنوي يقارب 10 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال، باستثمارات تناهز 17 مليار دولار.
إننا إذن أمام مشروع قادر، إذا أحسن استغلاله، على تغيير مكانة موريتانيا الاقتصادية والجيوسياسية لعقود قادمة.
لكن أهمية هذه اللحظة لا تكمن في حجم الاحتياطي وحده، وإنما في انتهاء مرحلة BP وهو ما يمنح موريتانيا حرية اختيار شريك جديد، وبالتالي حرية اختيار النموذج التنموي الذي تريد بناءه فوق هذا الحقل.
والحقيقة أن السؤال اليوم ليس من يستطيع استخراج الغاز؟ بل من يستطيع أن يجعل الغاز محركاً لتحول اقتصادي وجيوسياسي شامل؟
لقد اعتادت الشركات الغربية الكبرى النظر إلى إفريقيا بمنطق استخراج الموارد وربطها بالأسواق العالمية عبر الموانئ البحرية، وفي هذا النموذج، تتحول موريتانيا إلى مجرد خط أطلسي لتصدير الغاز، ورافد ربما لمشروع خط أنبوب نيجريا -المغرب المغذي لأوربا، والمدعوم اماراتيا وامريكا، بينما يبقى عمقها الطبيعي، أي أسواق الساحل الإفريقي، خارج المعادلة التنموية، مع أن الساحل هو عمقنا وورقتنا الرابحة في المستقبل.
أما إذا دخلت روسيا أو الصين في شراكة استراتيجية مع موريتانيا حول حقل بير الله ( وقد عرضت روسيا رسميا مقترحا بذلك ) ، فإن الصورة يمكن أن تختلف جذرياً؛ فهاتان الدولتان تمتلكان خبرة كبيرة في ربط مشاريع الطاقة بمشاريع البنية التحتية الكبرى، بحيث يصبح الحقل الغازي محركاً لبناء الموانئ، والسكك الحديدية، والطرق، والمناطق الصناعية، وليس مجرد مصدر لعائدات التصدير.
إن النموذج الأنسب هنا هو اتفاقية أنغولا مع الصين، التي قامت على مبدأ "الموارد مقابل البنية التحتية". فقد حصلت انغولا على قروض تسدد مع الوقت عبر عائدات النفط وتولت الصين بناء آلاف الكيلومترات من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمنشآت العامة، وهو نموذج يمكن لروسيا أو الصين أن تستنسخاه في موريتانيا مع مراعاة خصوصية البلاد واحتياجاتها. وهذا أمر لن تقبل الشركات الغربية الدخول فيه ولا تنفيذه لأنها ببساطة لا تؤمن بمقاربة رابح- رابح في معاملتها.
يمكن لموريتانيا أن تعرض على روسيا أو الصين اتفاقاً متكاملاً لا يقتصر على تطوير الحقل، بل يشمل إنشاء ميناء عالمي كمركز إقليمي لتسييل الغاز، وبناء خط سكة حديد يربط نواكشوط بباماكو ثم يمتد مستقبلاً نحو النيجر، إلى جانب شبكة طرق سريعة تربط الساحل بالمحيط الأطلسي.
عندها لن تصبح موريتانيا مجرد منصة لتصدير الغاز كما يريد الاوربيون ، بل الجسر الاقتصادي الذي يربط الساحل الإفريقي بالمحيط الأطلسي، والممر الذي تعبر منه التجارة والطاقة والاستثمارات نحو ملايين المستهلكين في الداخل الإفريقي.
والحقيقة أنه من الناحية الجيوسياسية، فإن مثل هذا المشروع يخدم أيضاً مصالح روسيا أو الصين، فبالنسبة لهما، فإن منفذاً مستقراً على الأطلسي، مرتبطاً بشبكة نقل تمتد إلى قلب الساحل، يمثل قيمة استراتيجية تتجاوز كثيراً قيمة الغاز نفسه.
هذا لا يعني أن الشراكة معهما او مع احداهما ستُمنح دون شروط. بل على العكس، ينبغي أن تقوم على أسس واضحة، أولها الحفاظ على السيادة الوطنية، وزيادة حصة الدولة في المشروع، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات الموريتانية، وفرض أعلى معايير الشفافية وحماية البيئة، مع إدارة مالية رشيدة تضمن نهضة حقيقية للبلد.
إن موريتانيا تقف اليوم أمام خيارين مختلفين، الخيار الأول هو إعادة إنتاج النموذج التقليدي للشراكة مع الغرب حيث يُستخرج الغاز ويُشحن إلى الخارج، بينما تبقى البنية الاقتصادية الداخلية على حالها.
أما الخيار الثاني فهو تحويل بير الله إلى مشروع حضاري يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة بأكملها، ويجعل من موريتانيا بوابة الأطلسي إلى الساحل، لا مجرد محطة على الساحل الأطلسي.
إن نافذة الفرصة التي كشف عنها تصريح الرئيس غزواني قد لا تبقى مفتوحة طويلاً؛ ولذلك فإن النقاش الوطني ينبغي ألا يقتصر على الجهة أو الشركة التي ستطور الحقل، بل يجب أن ينصب على نوع المشروع الوطني الذي نريد أن يبنى فوق هذا الحقل، وعلى الشريك القادر على تحويل ثروة الغاز إلى بنية تحتية، وصناعة، ونقل، وتكامل إقليمي يغير وجه موريتانيا لعقود قادمة.
هذا هو الرهان الذي يجب ان لا يسمح القادرون لأي أحد أن يعبث به.



.jpeg)

.jpeg)