نازا.. زلزال هزّ تل أبيب من البندقية

في مساء العاشر من سبتمبر 2026، لم تكن قاعة السينما الكبرى في مهرجان البندقية مجرد مكان لعرض فيلم وثائقي، بل كانت ساحة إدانة مفتوحة. خمس وعشرون دقيقة من التصفيق المتواصل، رقم قياسي تاريخي في المهرجان. الجمهور الذي انتصب واقفاً بالكامل لم يكن يصفق لعمل فني فحسب، بل كان يشهد انهيار أحد أسمك جدران الدعاية الإسرائيلية أمام أعين العالم.

الفيلم اسمه «نازا». كلمة عبرية عسكرية مختصرة تعني «عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في الغارة». عنوان بحد ذاته اتهام. صانعاه ليسا فلسطينيين ولا عرباً ولا مسلمين ولا «معادين للسامية» حسب القاموس الإسرائيلي. هما يوفال أبراهام وراشيل شور، صحفيان إسرائيليان يهوديان يحملان الجنسية الإسرائيلية، وسبق لهما الفوز بجائزة الأوسكار عام 2025 عن فيلم «لا أرض أخرى». جمعا مادة فيلمهما من قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها.

على مدى ثلاث سنوات، صوّرا ليلاً فوق أسطح منازل تل أبيب أربعة وعشرين ضابطاً وجندياً من الاستخبارات والجيش الإسرائيلي. أخفوا وجوههم، غيّروا أصواتهم، وتركوهم يتحدثون. والنتيجة شهادات بدم بارد عن نظام استهداف يعتمد الذكاء الاصطناعي والمراقبة الجماعية واختراق الهواتف، يعرف مسبقاً عدد الأطفال والنساء والشيوخ داخل أي مبنى يستهدفه… ثم يصدر الأمر بالقصف.

أحد الضباط يقول في الفيلم إنه صدر مرة أمر بقصف مبنى كانوا يعرفون مسبقاً أن بداخله نحو خمسمئة مدني مقابل هدف واحد، وتم قصفه وتدميره فوق رؤوسهم جميعاً. وآخر يتحدث عن «قتل جماعي باستعمال الذكاء الاصطناعي». وثالث يقارن ما شاهده بما قرأه عن المجتمع الألماني في ثلاثينيات القرن الماضي. هذه ليست روايات ضحايا، هذه اعترافات من داخل غرف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

الذعر داخل المؤسسات الإسرائيلية كان أبلغ من البيانات الرسمية. وزير الثقافة ميكي زوهار طالب بسحب الجنسية من المخرجين بتهمة «الخيانة العظمى». نتنياهو تحدث عن سابقة تاريخية لمواجهة «التحريض العالمي» على السامية. رئيس الأركان إيال زامير عقد اجتماعات عاجلة ووجّه بفتح تحقيق في كيفية تسريب مواد سرية وكيفية وصولها إلى وسائل إعلامية، ووجّه المدعي العام العسكري لدراسة بدء ملاحقة قانونية لصانعي الفيلم. هذه ليست ردود فعل على فيلم عادي، هذه ردود فعل على وثائق مصنفة داخلية خرجت إلى العلن، وقد يترتب عليها تبعات قانونية وسياسية دولية خطيرة.

«نازا» لا يكتفي بفضح الجرائم، بل يسقط الحجة الأخيرة التي كانت تروّجها الرواية الرسمية: أن أي اتهام بالإبادة أو جرائم الحرب هو «دعاية فلسطينية أو عربية أو إسلامية أو معاداة للسامية». لكن عندما يأتي الاتهام من يهود إسرائيليين، ويأتي مدعوماً بشهادات ضباط وجنود خدموا في الوحدات نفسها، تسقط هذه السردية وتفشل أدواتها التقليدية.

الفيلم يقدم للمحاكم الدولية مادة من نوع نادر: شهادات من قلب الجيش الإسرائيلي موثقة تقنياً، تتحدث عن قصد وترصد، وعن أنظمة تعرف مسبقاً حجم المجزرة وحجم الضحايا من الأطفال والنساء، ورغم ذلك تنفذها. هذا يعزز الركن المعنوي للجريمة، ويضع القادة والجيش أمام مساءلة أصعب بكثير من أي تقرير حقوقي سابق.

ما حدث في البندقية لم يكن مجرد نجاح سينمائي. كان لحظة انكشاف. لحظة أدركت فيها المؤسسة الإسرائيلية أن جدار الصمت الداخلي بدأ يتصدع، وأن الشهود هذه المرة ليسوا من خارج الأسوار… بل من داخلها.

 

آخر الكلام:

التصفيق الذي استمر خمساً وعشرين دقيقة لم يكن مجرد إشادة عابرة لعمل فني ناجح، بل كان صدى صوت الشهادات التي خرجت من تل أبيب نفسها، ووصلت مباشرة إلى العالم كله دون إذن، لتوثق أكبر إبادة جماعية وجرائم حرب شهدها التاريخ البشري المعاصر.

 

د. سمير الددا
[email protected]

 

سبت, 19/09/2026 - 10:06