
اقر مجلس النواب الاسباني في يوم 10\09\2026 مشروع قانون يمنح طريقا استثنائيا للحصول على الجنسية الاسبانية يستفيد منه الصحراويون الذين ولدوا قبل يوم 29\09\1977 في اقليم الصحراء الغربية.
وتعود الأسباب في اصدار هذا القانون إلى الروابط القانونية والتاريخية التي كانت تربط هؤلاء الصحراويين بالمملكة الاسبانية التي كانت القوة المديرةلاقليم الصحراء الغربية حتى انسحابها منه في 26\02\1976.
اثار مشروع القانون هذا انتباه المراقبين والباحثين، لما يبدو فيها - ظاهريا- من تناقض في الموقف الاسباني الرسمي الذي ينحاز منذ 2022، للموقف المغربي، في حين يبدو مشروع القانون منحازا للصحراويين.
ولكن الأمر في الحقيقة أشد تعقيدا من مثل هذا التصنيف، حيث شكلت القضية الصحراوية عقدة للادارات الاسبانية المتلاحقة حتى اليوم، لأنها تعرف ان قلوب الاسبان مع الصحراويين، بسبب التاريخ المشترك، وبسبب ما يعتبره اغلب الشعب الاسباني وصمة ضعف من جانب اسبانيا في تحمل مسؤوليتها في تمكين الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير كما فعلت كل القوى الاستعمارية الاوربية في مستعمراتها.
وفي هذا الإطار سنحاول سرد محطات من تاريخ اسبانيا المعاصر مع المعضلة الصحراوية فيما يلي:
-- 1961- اسبانيا تعلن الصحراء الغربية محافظة اسبانية.
-- 1963- الأمم المتحدة تعلن الصحراء الغربية مستعمرة اسبانية. --16\10\1975، رأي محكمة العدل الدولية بشأن الصحراء الغربية، أكدت فيه ان الروابط التاريخية والقانونية لا تمنح السيادة، ولا تمنع من تطبيق مبدأ حق تقرير المصير في الصحراء الغربية.
--14\11\1975، توقيع اتفاقية مادريد التي قسمت الصحراء الغربية بين موريتانيا والمغرب، والتي نصت المادة 2 منها على :" تشرع اسبانيا فورا في إقامة إدارة مؤقتة في الاقليم، بمشاركة المغرب وموريتانيا وبتعاون مع الجماعة، وتسلم لهذه الإدارة المسؤوليات..." ثم تفسر الاتفاقية المقصود بالجماعة في المادة3 بقولها: " يُحترم رأي سكان الصحراء المعبر عنه من خلال ( الجماعة)" ولاشك ان المسؤولية المتعلقة بضمان حقوق وواجبات السكان الأصليين الذين عبرت الاتفاقية عنهم بالجماعة، تظل مرتبطة باسبانيا، فهم حتى ذلك الوقت مواطنون اسبان ولهم ممثلوهم في مجلس النواب الاسباني.
و من هنا يمكن اعتبار اتفاقية مادريد مصدر عقدة اسبانيا الباطنية من قضية الصحراء الغربية، بسبب طريقة صياغتها وتنزيلها، حيث انسحب ممثل اسبانيا من الاجتماع الثلاثي في لعيون يوم 26\02\1976، ولم يوقع على محضره، لأن هذا الاجتماع اعتبر اجتماع الجماعة وقبولها لاتفاقية مادريد، يقوم مقام تقرير مصير الشعب الصحراوي.
وفي نفس اليوم اعتبر ممثل اسبانيا لدى الأمم المتحدة في تقرير بعث به إلى الامين العام للأمم المتحدة ان : "ممارسة حق تقرير المصير في الصحراء الغربية لم تتم."
-- 19\11\1975، بموجب القانون 40\1975، الصادر بهذا التاريخ، اسبانيا تعلن ان:" الصحراء الغربية لم تكن يوما ارضا اسبانية، والبرلمان يسمح للحكومة الاسبانية باتخاذ جميع الإجراءات من أجل تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية مع الحفاظ على مصالح اسبانيا."
-هذا القانون الذي صدر بعد اتفاقية مادريد بخمسة ايام هو الذي ستعتمد عليه الحكومة الاسبانية في تنزيل الاتفاقية في "إطار خاص"، خارج الإطار القانوني المعروف لتصفية الاستعمار حسب القوانين الدولية. سيتضح لنا كم كانت ومازالت القضية الصحراوية مرهقة للمملكة الاسبانية، والي اي حد مازالت تدفع الثمن القانوني والأخلاقي لعدم اخذها للطريق السليم في إنهاء الاستعمار من الصحراء الغربية.
-- 10\09\1976، صدور مرسوم ملكي يسمح للصحراويين بالتمسك بجنسيتهم الاسبانية،واعطائهم مدة سنة حتى 10\09\1977 للاستفادة من هذه الفرصة، وهذا المرسوم جاء تطبيقا لقانون 40\ 1957، اي انه يدخل في اطار تصفية الاستعمارمن الصحراء الغربية.
كان اصدار هذا المرسوم الملكي بعد عشرة أشهر من صدور اتفاقية مادريد، وتنفيذها، وبعد استقرار كل جزء من الصحراء الغربية بيد السلطة التي احتلته بموجب اتفاقية مادريد، فلماذا هذا المرسوم الملكي، ان لم يكن بسبب ما لاحظت اسبانيا انه حصل أثناء صياغة وتنزيل اتفاقية مادريد...
--21\ 09\1979، بعث الملك خوان كارلوس برسالة إلى الملك المغربي الحسن الثاني، سنقتطف منها فقرة تصف حقيقة الوضع في نوفمبر 1975 وظروف صياغة وتنزيل اتفاقية مادريد:" فبُعيد اعلان قرار محكمة العدل الدولية[ أشرنا إليه آنفا] فإن اعلان جلالتكم لمسيرة من 350 الف شخص، والمعروفة ب"المسيرة الخضراء" قد خلق من وجهة نظر الحكومة الاسبانية، وضع احتكاك عرض السلم والامن الدوليين للخطر، وحملها بالتالي على طلب اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي، رئيس المجلس المذكور وجه لجلالتكم في 06\11\1975 نداء عاجلا من أجل "الانهاء الفوري للمسيرة"، بيد انه في صبيحة ذلك اليوم كانت المسيرة قد دخلت الإقليم.
كان الوضع متوترا، ولوضع حد له، وبمقتضى المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، تم نقاش إعلان المبادئ في مدريد 14 نوفمبر [ يعني اتفاقيةمدريد].
ومن جهة أخرى فإنه بالنسبة للحكومة الاسبانية، فإن هذا الإعلان لم يكن تطبيقا لقرار محكمة العدل الدولية، أو لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار،وإنما كان بالأساس وسيلة لحل سلمي لوضع كان يهدد الأمن والسلم الدليين." تُظهر هذه الفقرة خطورة المعضلة الصحراوية، حين يعترف الملك الاسباني بعد اربع سنوات، ان اتفاقية مادريد كانت مجرد طوق نجاة من ورطة تهدد الأمن والسلم الدوليين!!
--04\10\2005، جاء في قرار للمديرية العامة للسجلات والتوثيق الاسبانية منشور في الجريدة الرسمية تحت الرقم BEO-A- 2005/ 18130، ما يلي: " موقف اسبانيا في افريقيا الغربية مر بثلاث مراحل حسب اجتهاد المحكمة العليا الاسبانية:
1.مرحلة المستعمرات
2. مرحلة المقاطعات: تحويل اراضي المستعمرات إلى مقاطعات اسبانية مثل غيرها من المقاطعات في الوطن الام.
3. مرحلة إنهاء الاستعمار التي اتخذت ثلاث صور: * الاستقلال كما حدث في غينيا.
*التنازل كما حدث في ايفني.
*تقرير المصير كما حدث في الصحراء.
هذه وثيقة اسبانية صادرة 2005، ولكن هل فعلا تعتبر اسبانيا حسب وثائقها التي اطلعنا عليها آنفا أن ما حدث في الصحراء الغربية كان عملية تصفية استعمار مكتملة الأركان حسب القوانين الدولية، تأمل كم تعاني اسبانيا مع المعضلة الصحراوية!!
-- 10\09\ 2026، صدر مشروع القانون الجديد الذي يتعلق بتحنيس الصحراويين تطبيقا للمادة 2 من القانون المدني الاسباني، ولم يذكر قانون 40\1975، الخاص بوضعية تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.
خلاصات:
كانت المحطات السابقة محاولة لفهم القصد من مشروع قانون 10\09\2026، الذي فاجأ المراقبين، والذي لم يكن سوى مظهرا جديدا من مظاهر التسيير الاسباني المتعثر للمعضلة الصحراوية، التي لايمكنه التخلص منها إلا بالعودة للمربع الاول، وتطبيق عملية تصفية استعمار حقيقة باشراف دولي و رعاية اسبانية .
وفي الاخير، فحين يتجاوز القانون الجديد عقبة مجلس الشيوخ الاسباني، ويصبح قانونا نافذا للمملكة الاسبانية، فستكون له -على الاقل- النتائج التالية على نضال الشعب الصحراوي:
ا-تمكين للهوية الصحراوية المستقلة من خلال تمييز السكان الأصليين للاقليم، ومنحهم حق الجنسية الاسبانية كنوع من العود على بدإ.
ب- لفت النظر الى الوضعية الحالية للصحراء الغربية، و عدم اعتبارها وضعية طبيعية.
ج-وجود جالية صحراوية بحجم بشري كبير في وقت قصير، سيكون بإمكانها التأثير في الساحة السياسية والثقافية والاجتماعية الاسبانية، وبالتالي على الرأي العام الشعبي ومن ثم القرار السياسي الاسباني، فيما يخص القضية الصحراوية.
يحيى احمدو
باحث في قانون حقوق الإنسان.



.jpeg)

.jpeg)