حين تحتضر طفلة.. تصمت الكلمات ويعلو غضب الوطن

ينكسر الكلام. ولا يبقى سوى رماد الكلمات، والصمت بعد ما يعجز الوصف عن احتوائه. ومع ذلك، فمن قلب هذا الصمت نفسه ترتفع، أشد حدّة من الصرخة، حقيقة الواقع.

الطفلة تحتضر. ومعها انطفأ جزء من إنسانيتنا المشتركة، في مكان ما بين لامبالاة الحكام وغطرسة الأبواب الخلفية للسلطة.

ماذا يمكن أن يقال عن عالم تُستقبل فيه آلام أسرة مفجوعة بموفدين ذوي قلوب من رخام، ووجوه شمعية أُرسلت لتعاين الظلم من دون أن تشعر به؟ يبعثون ممثلات، كما لو أنهم يرسلون محضرين لمعاينة أضرار تسرب مياه. لكن الضرر هنا حياة محطمة، وطفولة مسروقة، وسلالة جُرحت إلى الأبد. إن التناقض بين البرودة البروتوكولية وحجم المأساة إهانة تتجاوز حدود الفهم.

المال، أيها السادة، ليس محور الوجود. لكنه، بالنسبة إلى البعض، اللغة الوحيدة التي يعرفون التحدث بها. يبنون الثروات على أنقاض الخدمات العمومية، ويستحوذون على الفضاءات، ويوزعون الامتيازات، ويوقعون الصفقات كما تُوقّع العهود الغامضة. إن لامبالاتهم بمصير الأشد ضعفًا ليست إهمالًا؛ إنها نظام. نظام تُقاس فيه قيمة الحياة بمدى القرب من دوائر السلطة.

وفيما ترتفع آلام الضحايا كموجة سوداء، ينعم الجلادون براحة فاضحة خلف جدران سجون تحولت إلى ملاجئ مذهبة. أما الدولة، ذلك الحامي العاجز، فيبدو أنها فقدت حتى ذاكرة مهمتها الأولى: حماية الأبرياء، ومعاقبة المذنبين، ومواساة المنكوبين.

ما لم تحدث معجزة، فإن الطفلة تنطفئ ببطء، وتلفظ أنفاسها الأخيرة.

ثم يريدون منا أن نبقى هادئين، وأن نثق، وأن ننتظر.

لكن الانتظار أصبح إهانة، والثقة جرحًا. ولم يبق سوى الغضب، مكتومًا وعظيمًا، يزمجر تحت الكلمات. وصمت أمة تنظر، عاجزة، إلى أطفالها وهم يرحلون.

 

 

اعليه محمد
 

أربعاء, 09/09/2026 - 17:29