التمييز الإيجابي: قراءة قانونية مقتضبة 

يقف المشرع، ومعه المنفذ، أحيانا أمام مفارقة دقيقة، حين يعلنان المساواة بين المواطنين، بوصفها نمطا من أنماط العدالة، ثم حيناً من الدهر يُكتشف أن تفضيل بعض المواطنين على بعض في الرزق قد تكون المساواة ذاتها سببا فيه؛ فيصل إلى أبواب التعليم والوظيفة والتمثيل السياسي أقوام بعد أن قطعت فئات أخرى معظم الطريق. 

 

عندئذ تطرح فكرة "التمييز الإيجابي" بوصفها محاولة لتقريب المسافات، وردم الهوة، غير أن اليد التي ترفع المتأخر قد تتحول، إن بقيت ممدودة بلا أجل ولا ضابط؛ إلى حاجز أمام الآخرين، فيكون العلاج سببا في تفاقم الداء. 

 

أولا: المدلول 

يقصد بالتمييز الإيجابي في دلالته العامّة؛ منح أفراد أو فئات مجتمعية معاملة تفضيلية محددة، بقصد تسريع وصولها إلى المساواة الفعلية، في صورة حصة انتخابية، أو أولوية في التوظيف أو التكوين، أو منح دراسية، أو برامج تنموية موجهة.

 

وقد عرّفت المادة الأولى من القانون 2018-023 المتعلق بتجريم التمييز؛ التمييزَ بأنه "كل تفرقة أو استبعاد أو تقييد أو تفضيل يمس التمتع المتساوي بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية"، ثم اعتبرت المادة الخامسة القوانين والبرامج والأنشطة الرامية إلى تحسين وضع أفراد أو جماعات محرومة "تدابير خاصة إيجابية" غير معاقب عليها. 

 

وغني عن البيان أن الإعفاء من التجريم الوارد أعلاه لا يعني بالضرورة منح تفويض مفتوح لإنشاء امتيازات جماعاتية دائمة؛ ذلك أن الإعفاء المقصود يقرأ داخل البناء الدستوري، ووفق شروط الضرورة والتناسب والمشروعية.

 

وأيا يكن فإن مصطلح "التمييز الإيجابي" غير مستقر قانونيا، ذلك أن التمييز يرتبط في الأصل بحرمان الأشخاص من التمتع المتساوي بالحقوق، ولذلك تفضّل المواثيق الدولية عبارتي "التدابير الخاصة" و"التدابير الخاصة المؤقتة"، وقد وصفت لجنة القضاء على التمييز العنصري عبارة: "positive discrimination" بأنها تحمل تناقضًا في ذاتها، وأوصت بتجنبها واسبتدالها بمصطلح يكشف عن الطبيعة التصحيحية والمؤقتة للإجراء.

 

ثانيا: التمييز في النص القانوني 

جعلت الدساتير الوطنية منذ عهد ما قبل الاستقلال وحتى اليوم؛ المساواة حجرًا في أساس الدولة، فربطت ديباجة دستور 1991 الصادر بالأمر القانوني رقم 91-022 بتاريخ 20 يوليو 1991، بصيغته المعدلة 2017؛ بين الحرية والمساواة والكرامة وسيادة القانون، واعترفت بالتنوع الثقافي بوصفه سندًا للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي. 

 

ونصت المادة الأولى على مساواة المواطنين أمام القانون، من دون تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي، وحظرت الدعاية ذات الطابع العنصري أو العرقي.

 

ويتكرر المبدأ في مواضع أخرى من الدستور منها الحق في الانتخاب المقرر بموجب المادة الثالثة، وحق الولوج إلى الوظائف العامة المنصوص في المادة الثانية عشرة، ومبدأ تمتع المواطنين بالحقوق نفسها وتحملهم الواجبات ذاتها تجاه الأمة الذي أرسته المادة التاسعة عشرة. 

 

ونشاز هنا موضوع المشاركة السياسية للنساء، حيث يمكن اعتبار التمييز على أساس الجنس يجد معالمه في الدستور، حين اختار المشرع صياغة حذرة تقول إن القانون "يشجع الولوج المتساوي للنساء والرجال إلى المأموريات الانتخابية والوظائف الانتخابية"، لكن مع ذلك كانت الدقة موجودة نوعا ما، وحالت دون تحول الدستور إلى سجل لمحاصصة اجتماعية أو عرقية لا منقضية. 

 

وعلى المستوى التشريعي، عرف النظام الانتخابي تطبيقا عمليا للتدابير الخاصة؛ فقد قرر القانون العضوي رقم 2018-007 حصصًا دنيا للنساء وترتيبًا بالتناوب بين الجنسين في بعض اللوائح الانتخابية، وأقر المجلس الدستوري حينها مطابقة القانون المذكور للدستور. 

 

 

ثالثا: دواعي اللجوء

في الدراسات ذات العلاقة؛ تظهر مشروعية التدبير الخاص، أو التمييز الإيجابي، حين يوجد اختلال واقعي قابل للإثبات، ولا تكفي معه المساواة المكتوبة لإزالة أسبابه. 

 

ومن دواعي ذلك وجود آثار إقصاء سابق موثق حرم فئة معينة من فرص التعليم أو الوظيفة أو المشاركة العامة، أو بناء على رغبة المشرع في فتح أبواب المؤسسات أمام فئات غابت عنها بسبب عوائق اجتماعية أو اقتصادية ثابتة.

 

كما أن هذا المبدأ مهم لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة حين تكشف البيانات أو معطيات الواقع المعاش؛ عن ضعف شديد ومستمر في مشاركة فئة من المواطنين. 

 

وبناء عليه؛ فإن اتفاقية "القضاء على التمييز العنصري"، تسمح بالتدابير الخاصة اللازمة لضمان التمتع المتساوي بالحقوق، بشرط ألا تؤدي إلى إبقاء حقوق منفصلة للجماعات، وأن تتوقف بعد تحقق الهدف. 

 

كما تسمح المادة الرابعة من اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، بتدابير مؤقتة لتسريع المساواة الفعلية، ومعلوم أن بلادنا طرف في الاتفاقيتين منذ 1988 و2001 على التوالي.

 

رابعا: الإيجابيات والحدود 

 

تقول تقارير الأمم المتحدة إنه من شأن التدبير الخاص، أو التمييز الإيجابي، المصمم بعناية؛ أن يحقق نتيجة سريعة في مجال محدد، وأن يكسر دائرة احتكار الفرص، ويكشف لفئة مهمشة أن الدولة تراها جزءًا من حاضرها، ومكونا مهما من مكونات نسيجها الوطني. 

 

وفي هذا الصدد؛ أوصت لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة بلادنا سنة 2023 بتدابير خاصة مؤقتة، شملت إمكان اعتماد نسب دنيا وتوظيف تفضيلي لرفع تمثيل النساء في بعض المؤسسات، مع الاهتمام بالفئات النسائية الأشد حرمانًا. 

 

مع ذلك، يحمل التمييز الإيجابي بذور انحرافه في داخله، وحتى ولو طبق بإنصاف وعناية؛ يظل عرضة لأن يزيد الشرخ ويعزز الفوارق، حين يستبدل معيار الكفاءة بمعيار الانتماء، ويُمنح أفراد ميسورون داخل الفئة المستفيدة مزايا لا يحصل عليها مواطنون أشد فقرًا من خارجها، وقد يلحق بالمستفيد وصمة خفية توحي بأن وصوله ثمرة التمييز لا نظير الجهد والاستحقاق. 

 

ووارد جدا أن تتحول الحصة المؤقتة إلى حق مكتسب، وأن تصبح زيادتها أو تمديدها مادة للتنافس السياسي، وعندئذ يبدأ كل ضعيف اجتماعيا في البحث عن عنوان عرقي أو فئوي حتى يجد طريقه إلى الاعتراف، وتتحول المظالم الفردية إلى دفاتر حساب بين الجماعات.

 

أربعاء, 29/07/2026 - 13:31