لن ينجح دعاة الفتنة والمتاجرون بخطاب المظلومية الزائفة في جر الموريتانيين إلى مستنقع الكراهية والانقسام، مهما اجتهدوا في بث الشحن والتحريض بين مكونات هذا الشعب الأصيل.
المواطن الموريتاني اليوم لم يعد بتلك السذاجة التي تسمح بتضليله بالشعارات، أو جره وراء حملات التشويه والتأزيم، بل أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين من يغذي الأزمات، ويزرع الإحباط، ويحرض على الفوضى، ويحاول قتل الأمل في نفوس الشباب، وإغلاق منافذ النجاح والتقدم، ونشر ثقافة الشتم والسب والطعن في الأعراض وهدم قيم الجمهورية…
إن كتابة مقال رأي ينتقد الوضع الراهن بالتشكيك في كل شيء أمر سهل، وكذلك كتابة مقال رأي حماسي يروّج لشعارات. لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإجابة بصدق وإنصاف على السؤال الأساسي: ما الذي تغيّر فعلاً في حياة المواطن الموريتاني العادي خلال السنوات الست الماضية؟
إن الحقيقة التي لا تقبل النقاش هي أن ما نسمعه اليوم من خطاب سيئ وأسلوب ركيك، يصدر عن بعض أتباع النائب بيرام الداه اعبيد ومن على شاكلتهم، ليس أمرا عابرا، بل هو نتيجة مباشرة لخطاب سياسي كرسه بنفسه وروج له لسنوات، حتى أصبح أسلوبا متجذرا لدى بعض محيطه السياسي.
في خضم ما صدر مؤخرًا من اتهامات عن الحكومة المالية لبلادنا، بادعاء حماية عناصر إرهابية أو توفير ملاذ آمن لها، يبرز من الضروري التذكير بجملة من الحقائق:
▪︎ إن موريتانيا دولة مسؤولة تحترم مواقفها والتزاماتها، وسجلها واضح ومشهود في محاربة الإرهاب والتطرف، ولم يكن موقفها يومًا ملتبسًا أو مزدوجًا في هذا المجال.
إلى الذين اختاروا أن يغردوا خارج سرب الإجماع الوطني، ويستحضروا نماذج وصورا لا تمت إلى الواقع بصلة، أقول إن الطرح الفئوي أو القبلي أو النزعة الشرائحية لم يكن يوما مرتكزا من مرتكزات حضور صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في المجالين السياسي والاجتماعي.
ما يُسمّى بـ ائتلاف التناوب الديمقراطي 2029 الذي أعلن عنه النائب بيرام الداه اعبيد لا يختلف في جوهره عما كان يُعرف بالمعارضة المنافحة؛ فمن المشكاة نفسها خرج هذا المسمى كما خرج سابقه، مع تغيير في العنوان وثبات في المنهج، دون أي تحول حقيقي في الرؤية أو الأهداف.
من يتابع تصريحات النائب بيرام الداه اعبيد بشأن المأموريات والفساد وما يسميه مضايقات، يلحظ بوضوح أنها لا تخرج في جوهرها عن خطاب شعبوي مألوف، يقوم على التهويل وتضليل الرأي العام عبر افتعال معارك وهمية، بدل الانخراط الجاد والمسؤول في التحولات العميقة التي تشهدها البلاد.
إن الخطاب الذي قدمه النائب بيرام الداه اعبيد خلال مداخلته يفتقر الى المصداقية والموضوعية، ويتجاهل الفارق الجوهري بين من حكم بعقل الدولة، ومن يتحدث بعقل الخصومة الدائمة والمظلومية الوهمية.
شكل تفكيك منظومة اللامساواة والغبن أحد العناوين الكبرى في المشروع السياسي لصاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بوصفه مدخلا أساسيا لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على العدل والإنصاف وتكافؤ الفرص، بعيدا عن منطق الامتيازات والاصطفافات الضيقة.