بطولة صامتة… حين يحمي الجندي المجتمع

في سياق تبدو فيه القيم المدنية أحيانًا وكأنها تتآكل، تأتي القصة الأخيرة لجندي تدخّل لحماية مواطنين في مواجهة مجموعة من اللصوص لتذكّر بحقيقة كثيرًا ما تُنسى: روح الواجب لا تزال حيّة. فبعيدًا عن كونه عملاً استثنائيًا، يندرج تدخله في صميم مهمته الأساسية: الحماية. إذ إن الامتناع عن مساعدة شخص في خطر يُعدّ مخالفة قانونية، ويعكس فعله احترامًا راسخًا للقانون، في وقت يُلاحظ فيه أحيانًا تراجع في الالتزام بالقواعد الجماعية.

 

إن الحياة اليومية للعسكريين مليئة بالمخاطر التي يقبلونها طوعًا. سواء كانوا منتشرين على الحدود، أو في مناطق حساسة، أو داخل البلاد، فإن سبب وجودهم هو ضمان أمن الأشخاص والممتلكات، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب حياتهم. فهم يتحركون بدافع الالتزام لا بدافع المصلحة، مدفوعين بمثل أعلى يتمثل في حماية الآخرين، يتجاوز الحسابات الفردية.

 

ومن ثم فإن فعل هذا الجندي ليس استثناءً، بل تجسيد واضح للأخلاقيات التي تحرك هؤلاء الرجال والنساء: أن يكونوا سدًا في وجه الخطر.

 

غير أن وراء هذا البطولـة الصامتة واقعًا أكثر مرارة. فالمجتمع ينتظر من العسكريين أن يكونوا مستعدين للتضحية بكل شيء، لكن الاعتراف المادي غالبًا ما يكون بعيدًا عن حجم التضحيات. خلال خدمتهم تبقى رواتبهم متواضعة، ولا تتناسب مع المخاطر التي يتحملونها. وبعد خلع الزي العسكري، يصبح مصير كثير من الجنود السابقين أكثر إثارة للقلق: معاشات تقاعدية هزيلة، قد تقترب أحيانًا من حدّ الهشاشة، فتجعلهم يعيشون في شكل من أشكال العوز الصامت. وهو ظلم صارخ لأولئك الذين كرّسوا حياتهم للدفاع عن الآخرين.

 

بدل أن يُترك هذا العمل ليطويه النسيان، ينبغي الاحتفاء به وإبرازه. فهذا الجندي يستحق التقدير وأن يُقدَّم مثالاً يُحتذى، ليس فقط تكريمًا له، بل أيضًا لإرسال رسالة واضحة إلى جميع أفراد قوات الأمن: الواجب لا يقبل المساومة. ففي مناخ قد يميل فيه البعض إلى التهرب من المسؤوليات بدافع الإحباط أو السخرية، يصبح تسليط الضوء على مثل هذه المواقف أمرًا ضروريًا. فهو يذكّر بأن الشجاعة ونكران الذات لا تزال لهما قيمة، وأن المجتمع مدين لأصحابهما بالتقدير والاحترام.

 

وعلى نطاق أوسع، تطرح هذه القصة تساؤلاً حول علاقتنا الجماعية بمن يحموننا. فإذا كنا نريد أن يواصل العسكريون وعناصر الأمن أداء واجبهم بنفس القدر من التفاني، فمن الضروري دعمهم بشكل أفضل: عبر أجور عادلة، وتقاعد كريم، واعتراف اجتماعي يليق بتضحياتهم. إن التزامهم يجب أن يقابله امتناننا وسياساتنا.

 

إن فعل هذا الجندي ليس مجرد خبر جيد، بل هو تذكير. تذكير بأن الواجب موجود، وأن الشجاعة حاضرة في الحياة اليومية، وأن من مسؤوليتنا ألا ننسى ذلك — ولا أولئك الذين يجسدونه.

 

سيد محمد بيبكر

عقيد متقاعد

Le Calame

ترجمة: أقلام

جمعة, 06/03/2026 - 15:41