حين يهدد التطرف فضاء الحوار الوطني

في كل أمة، يشكل الحوار الأساس الذي تقوم عليه الاستقرار والتقدم. فمن خلال تبادل الأفكار، التي قد تكون أحيانًا متباينة لكنها قائمة دائمًا على الاحترام المتبادل، تُبنى التسويات الضرورية لتحقيق السلم الاجتماعي والتنمية. غير أنه بات من الواضح اليوم أن بعض الأصوات تختار عمدًا نهج التطرف والمزايدة لإضعاف هذا الفضاء المشترك. فالمسألة لا تتعلق بمجرد آراء حادة، لأن الديمقراطية تقبل التعددية وتحمي حق الاختلاف. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقاش إلى عداء منهجي، وإلى وصم وتشويه، وإلى إرادة معلنة لمنع أي بحث عن التوافق.

 

وغالبًا ما تزدهر الخطابات المتطرفة على الخوف والغضب والإحباط. فهي تبسّط الوقائع المعقدة عبر تحويلها إلى ثنائيات مصطنعة، وتحبس المجتمع في منطق “نحن ضدهم”. وقد تبدو هذه الخطابات جذابة في سياق الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، لأنها تقدم إجابات سريعة وتحدد مسؤولين جاهزين للاتهام. غير أن هذا التبسيط له ثمن باهظ: فهو يمزق النسيج الاجتماعي ويجعل أي حل جماعي أكثر صعوبة. فالحوار الوطني ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن نضج سياسي وثقة في قدرة المواطنين على تجاوز خلافاتهم. ورفض الحوار يعني في جوهره رفض إمكانية بناء مستقبل مشترك.

 

وعندما تطغى خطابات الانقسام، تبدأ الثقة في التآكل تدريجيًا. فالمؤسسات تتعرض للتشكيك المنهجي، والخصوم السياسيون يُشيطنون، ويبدأ المواطنون في النظر إلى بعضهم البعض بريبة. غير أن أي أمة لا يمكن أن تتقدم بشكل مستدام في مناخ يسوده انعدام الثقة الدائم. فالتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي، كلها تتطلب حدًا أدنى من التماسك والاحترام المتبادل. إن تقويض الحوار الوطني يعني إضعاف الأسس ذاتها للتعايش المدني.

 

إن مسؤولية الحفاظ على هذا الفضاء للحوار لا تقع على عاتق القادة وحدهم، بل يتحملها كل مواطن، وكل فاعل سياسي، وكل صاحب رأي. فرفض التضليل، والتصدي لدعوات الكراهية، وتغليب الحجة على الإهانة، والدفاع عن حق الاختلاف دون إنكار شرعية الآخر، كلها مواقف أساسية للحفاظ على مناخ صحي للنقاش العام. ويمكن للنقاش أن يكون حازمًا وصارمًا، لكنه يجب أن يظل قائمًا على الاحترام وموجَّهًا نحو البحث عن الحلول.

 

وفي مواجهة التحديات الراهنة، يحتاج بلدنا إلى قدر كبير من الوضوح والهدوء والالتزام البنّاء. أما الذين يوظفون عمدًا الأصوات المتطرفة لعرقلة الحوار، فإنهم يغامرون بإضعاف الأمة بأكملها. ويعلمنا التاريخ أن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تنجح في تحويل توتراتها إلى نقاشات مثمرة، وخلافاتها إلى إصلاحات متوازنة. إن الحفاظ على الحوار الوطني ليس مجرد موقف أو شعار، بل هو واجب وطني وشرط أساسي لبناء مستقبل مشترك يقوم على المسؤولية والاحترام.

 

5 مارس 2026

 مامادو مصطفى با

 

ترجمة: أقلام

جمعة, 06/03/2026 - 23:08