إيران كقطب إسلامي جديد ضمن مثلث روسيا - إيران - الصين

لم يعد الحديث عن “مثلث بريماكوف” الأصلي: روسيا – الهند – الصين، سوى ذكرى من عصر ولى، عصر القطب الواحد، فاليوم، ومع تحول الهند نحو الغرب، والتماهي مع مثلث إسرائيل - الإمارات - الهند، ظهر مثلث بريماكوف المعدل: موسكو – طهران – بكين، ليضع إيران في حلبة القوى العظمى ويمنحها دوراً تاريخياً لم تحظَ به أي دولة إسلامية منذ صعود العثمانيين قبل خمسة قرون.

 

ولأول مرة منذ معاهدة كارلوفيتز سنة 1699، التي وضعت حداً لتوسع الدولة العثمانية، نرى دولة إسلامية تقترب من مصاف القوى العظمى، ليس عبر شرعية القدرة والشعارات الدينية وحدها، بل عبر الإسلام الحضاري القائم على الجغرافيا والطاقة والتكنولوجيا العسكرية والتحالفات الاستراتيجية.

 

فإيران اليوم تمتلك موقعاً يربط آسيا الوسطى والقوقاز بالخليج والبحر المتوسط عبر ممرات برية وبحرية أصبحت شريان حياة للصين وروسيا، وتُعتبر حجر الزاوية في مشروع طريق الحرير الجديد الصيني وممر الشمال – الجنوب الروسي، كما تمتلك ترسانة صاروخية وطائرات مسيّرة أثبتت فعاليتها في أوكرانيا ولبنان واليمن وغزة، وفوق ذلك كله توشك أن تعلن عن امتلاك السلاح النووي، مما يجعل منها قوة كبيرة وشريكاً عسكرياً هاماً لموسكو وبكين.

 

إن الاحترام الذي تفرضه إيران اليوم على طاولة المفاوضات الدولية، والقدرة على قول “لا” للإملاءات الغربية، والإنجاز المتمثل في كسر احتكار القوى الغربية العظمى للقرار العالمي، كل ذلك ينعكس إيجاباً على مكانة الأمة الإسلامية جمعاء. لم يعد العالم الغربي ينظر إلى المسلمين جميعاً كغثاء لا وزن له أو كأتباع مضمونين، بل كند قادم وكقوة لا يمكن تجاوزها، وذلك بفضل الثقل الإيراني داخل هذا المثلث.

 

إن إنجاز إيران الأكبر، في نظر حليفيها الكبيرين، هو أنها فعلت ما لم يفعله أحد، لقد قطعت ذيل الأسد وأرغمته على ما لا بد منه، وهو الابتعاد عن المجال. وبهذا انتقلت في الواقع من مستوى الحليف إلى مستوى الشريك والعضو المؤسس في المثلث التاريخي الذي يكمل المنظومة، حيث روسيا تقدم الغطاء النووي والعسكري والسياسي في مجلس الأمن، والصين تقدم الاستثمارات الضخمة (الاتفاقية الشاملة بقيمة 400 مليار دولار) ونقل التكنولوجيا، وإيران تقدم الطاقة الرخيصة، والممرات البرية، والنفوذ الميداني في اليمن وباب المندب والعراق ولبنان، بالإضافة إلى المشروع الحضاري القائم على الكرامة والاستقلال الذي يلهم شعوب الجنوب كله، والذي ستلتحق به دول عديدة قريباً، حتى هنا في غرب إفريقيا والساحل.

 

ويمثل صعود إيران ضمن هذا المثلث مكسباً تاريخياً لا يُقدَّر بثمن للشارع الإسلامي والرمزية الإسلامية، فلأول مرة منذ قرون تجلس دولة إسلامية على طاولة القوى الكبرى، ليس كمتلقٍ للأوامر، بل كلاعب رئيسي يمسك بخيوط الطاقة والممرات والردع العسكري، وهو ما يعني أن الأمة الإسلامية أصبح لديها الآن سقف أعلى للطموح والسيادة.

 

إن هذه الحقائق تفرض علينا هنا في هذا البلد أن نراجع مواقفنا وحساباتنا، وأن لا نواصل انتظار الإشارة من السعودية أو فرنسا أو الإمارات للتحرك في الاتجاه الذي ينصحون به، فهؤلاء كلهم ينتظرون إشارات من جهات كبرى، وسيبلورون مواقفهم بناءً على مسار الأحداث وقراءتهم الخاصة لموازين القوة واتجاه الريح، وقراءة اتجاه الريح ليست حكراً على أحد دون أحد آخر.

 

إن موقعنا الاستراتيجي المطل على المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى مواردنا المعدنية وثروتنا السمكية المتجددة، وقربنا من أوروبا ومن دول الساحل، كلها عوامل تمنحنا ثقلاً لا يستهان به. ولهذا فإن علينا، أو على الأصح على النظام، أن يبدأ فوراً في تسجيل حضوره على خريطة المستقبل، وذلك عبر إرسال إشارات واضحة ومتدرجة للدول الثلاث: روسيا، إيران، الصين، من خلال مواقف يُفهم منها الابتعاد عن التبعية الغربية في الملفات السياسية والاقتصادية، وإظهار التعاطف والتضامن العلني مع روسيا وإيران في حربيهما (الحرب الأوكرانية والحرب على إيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية)، والانفتاح الدبلوماسي بتوقيع اتفاقيات شراكات جديدة مع الصين وموسكو وطهران، وطلب دعمهم والتعاون معهم.

 

إن تأخرنا في اتخاذ هذه الخطوة، وانتظار التأكد من مآلات الأمور، يفقدها قيمتها وثمنها إذا تمت بعد أن هدأت الأمور واتضح كل شيء.

جمعة, 12/06/2026 - 16:41