ليست المشكلة في الخلفية العسكرية… بل في جودة الحوكمة

ليست لي عادة التدخل في النقاشات ذات الطابع السياسي، وأقل من ذلك أن أنخرط فيها بشكل دائم. غير أنه حين تتخذ هذه النقاشات من العسكريين موضوعًا لها، وتُحمَّل في طياتها اختزالات أو أحكامًا مسبقة مؤسفة بحقهم، يصبح الصمت أمرًا يصعب تبريره. فالسؤال المطروح يستحق أن يُعالج بقدر عالٍ من الدقة والأمانة الفكرية، بغية تصحيح بعض الأفكار المسبقة، وإعادة النقاش إلى أرضية أكثر عدلًا وسموًا، وأكثر اتساقًا مع واقع الوقائع.

 

في الجدل الدائر حول طبيعة السلطة ومن يمسكون بزمامها، تتكرر بإلحاح أطروحة مفادها أن وجود عسكريين سابقين على رأس المؤسسات السياسية، فيما يُسمّونه «النظام العسكري»، هو في حد ذاته سبب الإخفاقات الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسسية التي عرفها البلد. هذه القراءة، على ما قد يبدو فيها من جاذبية، تستبدل منطق الوصم بتحليل جاد لآليات الحكم الحقيقية.

 

إن توصيف أي سلطة سياسية تضم في صفوفها عسكريين سابقين على أنها «نظام عسكري» هو تبسيط فكري مجحف. فهذا الوصف يتجاهل عمدًا حقيقة بديهية مفادها أن وجود عسكريين سابقين داخل المؤسسات لا يكفي لا لتعريف طبيعة النظام، ولا لتحديد نمط حكمه. كما يغفل، فوق ذلك، نسبتهم الحقيقية مقارنة بالفاعلين المدنيين، وكأن الأصل المهني لعدد محدود من المسؤولين يكفي لاختزال نظام سياسي بأكمله.

 

صورة نمطية راسخة

 

يقوم هذا المنطق على صورة نمطية راسخة: صورة «العسكري بلباس مدني»، الذي يُفترض فيه عجزه عن القطع مع منطق سلطوي هرمي. وهذه الصورة تُبسّط إلى حد مفرط واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير. فمغادرة المؤسسة العسكرية تعني أيضًا الاندماج في أطر معيارية أخرى، وممارسات مختلفة، وأشكال جديدة من المسؤولية. والعسكري السابق الذي يتولى مهام سياسية يمارسها داخل فضاء مدني، خاضع لقواعد وإجراءات ومتطلبات شرعية لا تمت بصلة إلى المنظومة العسكرية. واختزال فعله في ماضيه يعني إنكار قدرته على التطور والتعلّم والتكيّف.

 

والأخطر أن الارتهان إلى هذا النوع من المقاربات يحول دون تناول الرهانات الحقيقية للسلطة. فلا شيء يكسبه النقاش من استقطابه حول الأصل السوسيومِهني للقادة؛ بل ينبغي، على العكس، أن يرتقي إلى الأسئلة الجوهرية. فالمهم ليس ما إذا كان المسؤول قد ارتدى الزي العسكري يومًا ما، بل ما إذا كان قادرًا على إقناع المواطنين، وصياغة رؤية سياسية واضحة، وترجمة هذه الرؤية إلى سياسات عمومية متماسكة وفعّالة.

 

إن طبيعة أي نظام سياسي تُعرَّف بمؤسساته، وبجودة حكامته، وبوجود آليات للمساءلة، وبقدرته على الاستجابة للتطلعات الاجتماعية. فالسلطة تكون مدنية لا لأن جميع الفاعلين فيها لم يكونوا عسكريين قط، بل لأنها تعمل وفق قواعد مدنية، وتستمد شرعيتها من قبول المواطنين، وتتصرف بما يخدم الصالح العام. وعلى هذا المستوى تحديدًا ينبغي أن يتموضع النقاش.

 

إن إرجاع صعوبات دولة ما إلى الانتماء العسكري السابق لقادتها هو خلط بين المسار المهني والقدرة السياسية. فكون المرء عسكريًا سابقًا لا يُعد خطيئة أصلية ولا عاملًا حاسمًا في الفشل. بل إن القوات المسلحة تُكوّن، على العكس، أطرًا متمرّسة على الصرامة، وعلى التدبير المنظم للموارد البشرية والمالية والمادية، وعلى التخطيط الاستراتيجي في سياقات معقدة ومقيّدة. وهذه الكفاءات ليست متعارضة مع ممارسة الحكم المدني؛ بل قد تعزّز فعاليته حين تندرج ضمن إطار مؤسسي ملائم.

 

قاعدة من القيم

 

يميل الجدل القائم أيضًا إلى تجاهل بُعد أساسي: فإخفاقات أي بلد لا تعود أبدًا إلى متغير واحد، وأقل من ذلك إلى الأصل المهني لقادته. إنها نتاج عوامل متعددة — تاريخية، اقتصادية، مؤسسية، دولية — وقبل كل شيء نتاج جودة السياسات العمومية المعتمدة. واختزال هذه الإخفاقات في وجود عسكريين سابقين على قمة الدولة يُبعد النقاش عن الأسئلة الحقيقية: أسئلة الكفاءة، والرؤية، والمسؤولية، والشفافية، والقدرة على خدمة المصلحة العامة.

 

ثم إن التجربة العسكرية غالبًا ما تقترن بإحساس قوي بالوطنية وبالانتماء إلى الجماعة. فالخدمة تحت راية الدولة يمكن أن تُنمّي تصورًا صارمًا للواجب العام، ولأولوية المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة. وهذه القاعدة القيمية لا تعني بالضرورة انزلاقًا سلطويًا؛ إذ يظل ذلك رهينًا بالثقافة المؤسسية، وبوجود توازنات وقوى مضادة، وباحترام قواعد الحكم المدني.

 

إن تحويل النقاش إلى مواجهة بين قادة مدنيين وعسكريين سابقين يُفرغ الجدل من مضمونه. فالسؤال الجوهري ليس من أين أتى القادة، بل كيف يحكمون. وليس الزي العسكري السابق ولا الوضع المدني الحالي هو ما يفسر نجاح بلد أو فشله، بل جودة الرجال والنساء في السلطة، وكفاءاتهم، وأخلاقياتهم، وقدرتهم على إدراج فعلهم ضمن مؤسسات قوية ومسؤولة. فالنقاش الحقيقي يوجد في مكان آخر، والإصرار على تجاهله لا يؤدي إلا إلى حجب الأسباب العميقة للاختلالات التي يُدَّعى التنديد بها.

 

كما يجدر التذكير بعنصر كثيرًا ما يُغفل في مثل هذه النقاشات: فعلى المستويين الفكري والمهني، لا يقل العسكريون السابقون الذين يتولون مسؤوليات سياسية شأنًا عن المدنيين. فكثير منهم حاصلون على شهادات مدنية وعسكرية من أعلى المستويات. ولا تقتصر مساراتهم على التكوين العملياتي أو القيادة الميدانية التي يميل البعض إلى التقليل من شأنها.

 

وتمنح هذه التجربة، التي يفتقدها أحيانًا المسار المدني الصرف، العسكريَّ كفاءةً خاصة: هي الربط بين التفكير الاستراتيجي والفعل العملي. ففي حين تُعلي المقاربة المدنية غالبًا من شأن التحليل النظري أو الإجرائي، يركّز التكوين العسكري على الفعالية، والقدرة على التكيّف، وتحقيق نتائج ملموسة في أوضاع واقعية. وهذه الثقافة العملية، حين تقترن بوعي قوي بالجماعة وبالمسؤولية، تمكّن العسكريين من مقاربة تحديات التدبير العمومي بقدر من البراغماتية والقدرة على التنفيذ، يشكّل إضافة نوعية ومكمّلة للكفاءات المدنية التقليدية.

 

إعادة وضع النقاش في سياقه

 

على مستوى تكوين الأطر العليا، غالبًا ما يشمل المسار العسكري دراسات جامعية معمّقة، وتكوينات رفيعة المستوى في القانون، والاقتصاد، والعلوم السياسية، والعلاقات الدولية، أو الإدارة العمومية. وقد درس كثير منهم في جامعات مرموقة، وفي معاهد عليا للدراسات الاستراتيجية من الأكثر شهرة، حيث تُدرّس تحليل السياسات العمومية، والاستشراف، وتدبير الأزمات، والفهم الدقيق للقضايا الوطنية والدولية. وهذه التكوينات، التي غالبًا ما تضاهي تلك التي تتلقاها النخب المدنية، تمنح العسكريين السابقين ثقافة فكرية رصينة وقدرة تحليلية شمولية لا غنى عنها لممارسة السلطة السياسية.

 

وعليه، فإن الادعاء بأن وجود عسكريين سابقين على قمة الدولة يعكس نقصًا في الكفاءات المدنية أو الفكرية لا يصمد أمام فحص الوقائع. فغالبًا ما يكون ملفهم هو ملف أطر عالية التأهيل، متمرّسة على التفكير الاستراتيجي بقدر تمرّسها على الفعل، وقادرة على التوفيق بين الرؤية السياسية، والقيود الإدارية، ومتطلبات الصالح العام. وتجاهل هذه الحقيقة لا يعني سوى تكريس حكم مسبق يُفقِر النقاش، ويحول دون تقييم القادة على أساس ما ينبغي أن يكون معيار الحكم: تكوينهم، وتجربتهم، وكفاءتهم، وقدرتهم على الحكم بفعالية.

 

إن إعادة النقاش إلى سياقه الحقيقي تقتضي إذن مساءلة جودة الحكامة، وتماسك الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وصلابة المؤسسات، ووجود آليات للمساءلة والرقابة. وعلى هذا الأساس يجب تقييم السلطات القائمة. أما ما عدا ذلك — سواء تعلق بالأصل العسكري أو المدني للقادة — فليس سوى جدل عقيم وغير بنّاء، كثيرًا ما يُستغلّ لأغراض ظرفية، ويصرف الانتباه عن الرهانات الجوهرية للعمل العمومي وعن المصلحة العامة.

 

محمد الأمين الطالب جدّو

عقيد (متقاعد) 

Le Calame

ترجمة: أقلام 

خميس, 05/02/2026 - 11:09