
عبر العصور، وجد الحكام أنفسهم مضطرين لابتكار أساليب تدرأ عنهم خطر تعاطف الرعايا مع أشخاص استطاعوا بقوة أدبهم وبيانهم أن يكسروا حواجز الصمت، ويخلقوا جمهورًا قارئًا يتوحد مع حروفهم، فيصبح بحكم تلك الروابط الخفية جزءًا من وجدانهم. لذا، كان لا بد من كسر تلك العلاقة العضوية عبر اختلاق تهمة منفرة، تَجنب السلطان مواجهة الرأي العام، تمامًا كما تحميه إحراج الإسراع في تنفيذ الأحكام القاسية، دون المرور بمساطر التقاضي التي قد لا تخدم أهدافه دائمًا.
في التاريخ الإسلامي، مثّلت تهمة "الزندقة" أبسط السبل وأسرعها للتخلص من الكتّاب والمفكرين الذين عبروا، من خلال مؤلفاتهم، عن خروج غير مألوف على سلطة الحاكم في المجتمعات الوسيطة، ولعل حكاية "روزبه بن دادويه"، الشهير بابن المقفع (ت 759م)، النموذج الأبلغ على تلك التصفية تحت عباءة الزندقة. فلم تشفع للرجل مكانته العلمية، ولا إنتاجه الأدبي الغزير الذي أثرى المكتبة العربية؛ فهو مترجم "كليلة ودمنة" عن الفارسية، وصاحب مؤلفات رائعة كـ"الأدب الكبير"، و"رسالة الصحابة" التي دعا فيها إلى تقييد سلطة الخليفة.
غير أن تلك الرسالة الموجهة إلى الخليفة المنصور، كانت كافية لوضع حدٍ لحياته، خاصة وقد جاء أسلوبها صريحًا وجريئًا في النقد، حتى بلغ حد اتهام بعض الولاة بالخيانة، إذ كتب: "فإنّ الوالي إذا كان ظالمًا لنفسه، كان على الناس أظلم، وإذا خان أمانته عند سلطانه، كان لما سواه أخون". وتذكر المصادر التاريخية كالطبري والبلاذري وابن الأثير، أن والي البصرة سفيان بن معاوية اتهمه بالزندقة، ثم أقدم على قتله بوحشية، فأحرق جسده قطعة قطعة. وقد قَبِل المجتمع آنذاك هذا المصير بوصفه عقابًا عادلاً لكل "زنديق".
وفي العصر الحديث، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اكتسب مفهوم "الإرهاب" في النظام العالمي الجديد وضعية قانونية وسياسية تشابه في وظيفتها تهمة الزندقة القديمة. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، قامت الولايات المتحدة -على سبيل المثال لا الحصر- بين عامي 2018 و2020 بعمليات عسكرية شملت ضربات جوية وتدريبات وعمليات خاصة في 85 دولة. وقد أصبحت "مكافحة الإرهاب" ذريعة مقبولة دوليًا لاختراق سيادة دول كثيرة، كما حدث في العراق وأفغانستان ومالي ونيجيريا وغيرها.
وهكذا، تتكرر حكاية ابن المقفع مع معارضين سياسيين وكُتّاب وأصحاب رأي، يتم التخلص منهم تحت وصف "الإرهابي"، مما جعل العديد من منظمات حقوق الإنسان تغض الطرف، في كثير من الأحيان، عن جرائم القتل والتعذيب عندما تُرتكب تحت هذه الذريعة.
ويبقى الهاجس الأعمق، كما يبدو، هو كيفية التخلص من الخصم تحت عناوين براقة تخلّص الجلاد من تبعات القرار، وتقطع الطريق على التعاضف مع الضحايا لاتزال كماهي وإن اختلفت السياقات و التسمية .
د أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)