لماذا تحتاج موريتانيا إلى رتبة فريق أول؟

مع اقتراب موعد ترقية الضباط العامّين لسنة 2026، يصبح من الضروري إعادة فتح النقاش بشجاعة وبإحساس عالٍ بالمصلحة العليا للدولة حول تكييف هرمنا العسكري مع الواقع الأمني الجديد. وقد دافعتُ سابقًا، وأُجدّد اليوم بقوة، عن ضرورة أن تُمنَح قواتُنا المسلحة، دون مزيد من التأخير، رتبتي فريق (Général de Corps d’Armée) وفريق أول (Général d’Armée)، على غرار غالبية دول المنطقة، وبالنظر إلى التوسع المتزايد في حجم مهامها.

ولا يتعلق الأمر لا بتَرَفٍ مؤسسي، ولا بمطلب رمزي، ولا بامتياز خاص، ولا حتى بتضخيم غير مبرر للرتب، بل هو ضرورة وظيفية وتنظيمية واستراتيجية وعقائدية تفرضها التحولات العميقة في البيئة الأمنية وتعقّد المسؤوليات الموكلة لأداة الدفاع الوطني.

 

وفي مثل هذا النقاش، من الضروري التذكير بمبدأ أساسي يُستحضَر كثيرًا لكن نادرًا ما يُطبَّق بصرامة: خدمة المصلحة العليا للوطن تقتضي نزع الطابع الشخصي عن التكريمات وترشيد مبدأ المسؤولية. فلا يمكن ولا ينبغي أن تكون الترقيات إلى أعلى الرتب تعبيرًا عن توازنات جهوية، أو انتماءات مفترضة، أو اعتبارات اجتماعية، أو حسابات سياسية. فالبوصلة الوحيدة المشروعة يجب أن تكون الاستحقاق الموضوعي المبني على المسار المهني، والكفاءة، والخبرة الحقيقية في القيادة، والرؤية الاستراتيجية، والنزاهة الأخلاقية. وفي نهاية المطاف، لا يهم من هو الشخص الذي تتم ترقيته؛ فعندما يكون المعيار حصريًا هو الاستحقاق، فإن الرابح ليس فردًا بل الدولة، وتتعزز موريتانيا بأكملها. وكل منطق آخر يضعف مؤسساتنا حين يُخضعها لمعادلات غريبة عن رسالتها الجمهورية.

 

تهديدات غير متماثلة

 

منذ عقدين، لم تعد موريتانيا تواجه التحديات نفسها. فقد أصبحت التهديدات غير متماثلة، ومبعثرة، وعابرة للحدود، وهجينة، تمزج بين الإرهاب، والجريمة المنظمة، والاتجار غير المشروع، وضغوط الهجرة، وعدم الاستقرار الإقليمي، وإعادة التشكل الجيوسياسي الدائم. ويُضاف إلى ذلك مراقبة حدود تُعد من الأوسع والأكثر هشاشة في المنطقة، والمشاركة في آليات تعاون عسكري متعدد الجنسيات، والتخطيط الاستراتيجي المشترك بين الأسلحة، وإدارة قوات منتشرة في عدة مسارح عمليات، فضلًا عن متطلبات الاستباق والتنسيق مع السلطات السياسية والشركاء الخارجيين.

وأمام هذا التوسع الكبير في المهام، بقي هيكل الرتب العليا شبه جامد، ما أوجد مع مرور الوقت فجوة مقلقة بين حجم المسؤوليات الملقاة على قمة المؤسسات والأدوات الهرمية المتاحة لممارستها بفعالية وسلطة.

 

إن استحداث رتبتي فريق وفريق أول يستجيب أولًا لمطلب انسجام سلسلة القيادة، إذ يسمح بوضوح أفضل في مستويات اتخاذ القرار، وبفصل دقيق بين المستوى العملياتي المكلّف بتخطيط وقيادة العمليات الكبرى، والمستوى الاستراتيجي المسؤول عن التوجه العام والعقيدة والرؤية بعيدة المدى والعلاقات السياسية-العسكرية. وفي جميع الجيوش الحديثة، لا تُعد هذه الرتب تشريفية ولا شكلية، بل هي أدوات تنظيمية أساسية تضمن سلاسة القرار والانضباط المؤسسي، خصوصًا عندما يُطلب من الجيوش العمل في بيئات معقدة والتعامل على قدم المساواة مع شركاء إقليميين ودوليين منظمين وفق هذه المعايير.

 

حقيقة صامتة

 

في هذه المرحلة، سيكون من المخيب فكريًا الادعاء بأن مؤسساتنا لا تتوفر بالفعل على كفاءات تستجيب لهذه المتطلبات. فهناك ضباط عامون وضباط سامون، معروفون بتجربتهم في القيادة العملياتية، وتحملهم لمسؤوليات الأركان، وإحاطتهم بالقضايا الاستراتيجية، واحترام زملائهم لهم بالإجماع، يجسدون بطبيعة الحال القدرة على تولي، من الآن، رتبة عميد (Général de Brigade) وفريق (Général de Corps d’Armée)، وعلى أفق 2027 رتبة فريق أول (Général d’Armée). المسارات المهنية موجودة، والكفاءات معروفة، والمراجع الاحترافية ثابتة؛ ولا حاجة لذكر الأسماء صراحة ليعلم كل من داخل المؤسسة من المقصود. هذه الحقيقة الصامتة، المتداولة بين العارفين، تدعو إلى قرارات شجاعة ومسؤولة تراعي المصلحة البعيدة المدى لقواتنا المسلحة.

 

وعلى عكس بعض التخوفات، فإن هذا التطور لا يتطلب انقلابًا جذريًا ولا إصلاحًا مغامرًا. بل يمكن تنفيذه عبر تعديلات دقيقة ومضبوطة على نظام الضباط العامين، بتحديد واضح للوظائف التي تفتح الحق في هذه الرتب، ومعايير صارمة للترقية تقوم على الأقدمية المفيدة، والمسار المهني، والخبرة الفعلية في القيادة، والكفاءة المعترف بها، والنزاهة الأخلاقية، مع تحديد عدد محدود جدًا من المناصب. مثل هذا الإصلاح التدريجي والمؤطر سيكون قابلًا للتحمل ماليًا ومتوافقًا تمامًا مع التوازنات الحالية لمؤسساتنا.

 

وتوفر سنة 2026 فرصة تاريخية في هذا الصدد سيكون من المؤسف تفويتها. فترقية ضابطين (أو ثلاثة) إلى هذه الرتب العليا ستسمح بإرساء الإصلاح دون صدمة، وضمان انتقال سلس، وتثمين مسارات التميز، وتعزيز مصداقية واستقرار القيادة العليا. لكن هذه الفرصة يجب أن تكون أيضًا مناسبة للقطيعة مع ممارسة بالغة الضرر، أصبحت شبه اعتيادية، تتمثل في ترقية ضابط عام عشية تقاعده، أحيانًا قبل سنة أو سنتين فقط من بلوغ السن القانونية. مثل هذا النهج، الذي يحرم المؤسسة من الزمن الكافي للاستفادة من خبرة ورؤية المرقّى، لا يمكن تفسيره إلا كتصرف مجاملة أو مكافأة شخصية، لا كقرار يخدم مصلحة القوات المسلحة. لقد آن الأوان للاعتراف بأن هذا «اللعب الصغير» يضعف مصداقية نظام الترقية ويحوّل الرتب العليا عن غايتها الأساسية.

 

وعلى النقيض، فإن ترقية ضباط لا يزالون قادرين على الخدمة ست أو سبع أو ثماني أو حتى عشر سنوات أو أكثر، ستمكّن المؤسسة من استثمار دائم في كفاءات عالية المستوى، وتعزيز الاستمرارية الاستراتيجية، وترسيخ سلطة القيادة عبر الزمن، وتحسين صورة المؤسسة. وهنا بالضبط يتجلى معنى الاستحقاق: ليس مكافأة في نهاية المسار، بل استثمار في كفاءات قادرة على إنتاج قيمة استراتيجية مستمرة لجيوشنا وللدولة.

 

ترسيخ الجدارة في المؤسسة العسكرية

 

وبالتوازي، فإن ترقية خمسة أو ستة أو حتى سبعة (ومنهم شباب) من العقداء الأكفاء والمعترف بهم إلى رتبة عميد تبدو ضرورية ومفيدة بالقدر نفسه. فهذه الديناميكية ستسهم في تجديد و«أكسجة» القيادة العليا، وبناء رصيد بشري موثوق للمسؤوليات المستقبلية، وتعزيز الدافعية والثقة داخل الإطار القيادي المتوسط، وترسيخ مبدأ الجدارة العسكرية، وهو ركيزة لا غنى عنها لأي جيش محترف. فهناك ضباط سامون ذوو خبرة، أثبتوا كفاءتهم ميدانيًا وفي الأركان، ومعروفون للجميع؛ وترقيتهم ستكون رافعة قوية للتماسك والأداء والاستقرار الداخلي.

 

في الجيش، لا تكون الرتب يومًا مجرد شارات. إنها تجسيد للاعتراف بالخبرة المتراكمة واحترام المعايير الإقليمية والدولية. إن رفض تكييف الهرمية مع الواقع الراهن، أو الاستمرار في منطق الترقيات المتأخرة والرمزية، يعني الإبقاء على فجوة متزايدة بين حجم المهام الموكلة وبنية القيادة المسؤولة عن تنفيذها.

 

وتجد هذه العقلية القائمة على «مكافأة آخر الخدمة» مثالًا مقلقًا آخر في تعيين بعض الملحقين العسكريين في بعثاتنا الدبلوماسية، حيث يتم ذلك في الغالب قبل سنة واحدة فقط من التقاعد. ويُنظر إلى هذه الممارسة داخل المؤسسة نفسها على أنها مكافأة نهاية مسار أكثر منها تثمينًا لكفاءة استراتيجية ينبغي استثمارها على المدى الطويل. وهو ما يعطي الانطباع المؤسف بأن هذا المنصب، رغم حساسيته العالية، منصب ثانوي، في حين أنه في الواقع رافعة أساسية من روافع دبلوماسية الدفاع. فالملحق العسكري ليس عنصرًا شكليًا ولا مجرد وسيط بروتوكولي؛ بل هو فاعل محوري في التعاون الأمني، واليقظة الاستراتيجية، وتحليل العقائد والقدرات العسكرية للدولة المضيفة، ومسهّل أساسي للشراكات في مجالات التكوين والتجهيز والاستخبارات وقابلية التشغيل البيني. وحرمانه من الزمن الضروري للتعلّم وبناء النفوذ وتراكم الخبرة يعني إضعاف أثر حضورنا العسكري في الخارج عن قصد. وعلى العكس، فإن اعتماد ضباط ما زالوا في كامل مسارهم المهني، ولا سيما من العقداء أو الضباط السامين ذوي الإمكانات العالية، سيجعل هذه المهمة ممتدة في الزمن، ويعظم مردودها الاستراتيجي، ويغني المؤسسة عند عودة هؤلاء الأطر المتمرسين على المعايير والممارسات والثقافات الاستراتيجية الأجنبية. وهنا أيضًا يجب أن يتقدم معيار الاستحقاق والمنفعة المؤسسية على كل منطق مجاملة.

 

وخلاصة القول، إن تحديث الهرمية العسكرية وترشيد التعيينات الاستراتيجية لا يدخلان في باب الرمزية ولا المجاملة، بل في إطار خيار مدروس يخدم الدولة حصريًا. ومن خلال تكريس الاستحقاق، وتراكم الخبرة، والكفاءة المثبتة، والمنفعة المؤسسية كمعايير وحيدة، ستتمكن موريتانيا من تعزيز فعالية ومصداقية أداتها الدفاعية بصورة مستدامة في مواجهة تحديات العصر.

 

هارون الرباني

Le Calame

ترجمة أقلام

المقال الأصلي بالفرنسية هنا

جمعة, 16/01/2026 - 10:12