
في موريتانيا، لا يُعدّ التجاوز غير المشروع (الواسطة/المحاباة) حالة استثنائية ولا مجرد انحراف فردي؛ بل يشكّل أحد أقوى الآليات غير الرسمية لتنظيم الوصول إلى الموارد والامتيازات ومواقع النفوذ والوظائف والفرص. إنه نظام موازٍ، صامت لكنه عميق التأثير، تُستبدل فيه القاعدة بالعلاقة، وتُحيَّد فيه المعايير بفعل الروابط الشخصية، وتحلّ فيه الوساطة محلّ الحق، وتغلب فيه الانتماءات على الكفاءة.
وقد أفضت هذه الممارسة، التي جرى تطبيعها على نطاق واسع، إلى التغلغل في الحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية اليومية، حتى بات ينظر إليها بعضهم لا باعتبارها ظلمًا، بل كضرورة أو «حيلة» للتعامل مع دولة يُنظر إليها على أنها بعيدة أو تعسفية. غير أن هذا التطبيع بالذات هو ما يجعل المحاباة أشدّ تدميرًا.
آثار مدمّرة
اقتصاديًا، آثارها مدمّرة. فعندما تُنال الصفقات العمومية أو الرخص أو الأراضي أو القروض أو الإعفاءات الضريبية عبر القرب العلاقي بدلًا من الاستحقاق أو التنافسية، يتوقف الاقتصاد عن كونه فضاءً لإنتاج القيمة ليغدو ميدانًا لاقتسام الريع. تُشوَّه المنافسة، وتُفسد قواعد السوق، ويُثبَّط الابتكار، وتُقيَّد المبادرة الخاصة.
وأمام نظام منحاز، ينكفئ الفاعلون الجادّون نحو القطاع غير الرسمي أو الاستسلام، فيما تُوجَّه الموارد العمومية إلى مشاريع غير ناجعة، أو مبالغ في تكلفتها، أو غير مكتملة. وعلى المدى البعيد، يُغذّي هذا النمط من العمل الهشاشة البنيوية للاقتصاد الوطني، وضمور النسيج الإنتاجي، والارتهان للدولة، وفقدان ثقة المستثمرين.
غير أن الأثر الأعمق للمحاباة هو أخلاقي واجتماعي. ففي مجتمع يُكافَأ فيه الفرد بما يعرفه من أشخاص أكثر مما يملكه من كفاءة، يصبح الاستحقاق مفهومًا فارغًا، والجهد سذاجة. وتفقد المدرسة والجامعة دورهما كرافعتين للترقي الاجتماعي، ولا تعود الكفاءة رأسمالًا معتبرًا، ويتحوّل الظلم إلى أمر اعتيادي.
والأسوأ من ذلك، أن المحاباة تُبرَّر أحيانًا باسم التضامن المجتمعي أو باعتبارها تعويضًا عن مظالم أخرى، ما يُسهم في تمييع المرجعيات الأخلاقية الجماعية. وتنتج عن هذه المنطقية مجتمع بسرعات متفاوتة، يغذّي الإحباطات، ويُعمّق مشاعر الإقصاء، ويؤجّج الانكفاءات الهوياتية، ويُضعف التماسك الوطني.
وتُضاف إلى ذلك قراءة لا تقلّ خطورة، مفادها أن بعض فئات المجتمع، التي لم تستطع أو لم ترغب أو لم تحسن استباق الفرص المتاحة، باتت تفسّر وضعها حصريًا من زاوية التهميش المتعمّد، إلى حدّ التنديد بما يُسمّى «عنصرية الدولة» أو «التمييز المؤسسي».
غير أنه، وإن كانت اللامساواة واقعًا قائمًا ومتجذّرًا، فإن آلية المحاباة لا تستهدف جماعة بعينها؛ بل تخترق مجمل الجسد الاجتماعي، وتمسّ على حدّ سواء البيضان، والحراطين، والمكوّنات الزنجية الإفريقية. ومن ثمّ، فالمحاباة لا تنتمي إلى منطق عرقي أو إثني، بل إلى نظام غير رسمي لالتقاط الامتيازات قائم على القرب العلاقي والنفاذ إلى شبكات النفوذ، يضعف جميع المكوّنات الوطنية ويُغذّي، عبر سوء الفهم والضغينة، قراءات هوياتية خاطئة لوقائع هي في جوهرها مؤسسية.
عائق بنيوي أمام التنمية
سياسيًا، تُعدّ المحاباة سمًّا بطيئًا للدولة. فهي تُضعف مصداقية المؤسسات، وتجعل القانون قابلًا للتفاوض، وتُرسّخ التعسّف كقاعدة ضمنية. وعندما يدرك المواطنون أن القاعدة لا تُطبَّق على الجميع بالقدر نفسه، تنهار الثقة المدنية، ليحلّ محلّها السخرية، والإحباط، والعزوف، وأحيانًا أشكال أكثر حدّة من الاحتجاج.
فالدولة التي تتسامح مع المحاباة تكفّ عن كونها حكمًا محايدًا، وتتحوّل إلى طرف ضمن لعبة نفوذ، فتفقد بذلك شرعيتها وسلطتها الرمزية.
إن وضع حدّ للمحاباة لا يمكن أن يقتصر على خطابات وعظية أو حملات ظرفية؛ بل هو خيار سياسي جوهري يقتضي إعادة الاعتبار الفعلي لسموّ القاعدة على العلاقة. ويتطلب ذلك إجراءات واضحة، علنية وقابلة للتتبّع، وتقليصًا جذريًا لهوامش السلطة التقديرية غير المؤطرة، وقضاءً مستقلًا فعلًا، وإدارة محصّنة من الضغوط غير الرسمية.
كما يستدعي إعادة تأهيل الاستحقاق كمبدأ ناظم للحراك الاجتماعي، عبر مسابقات شفافة، وتقييمات موضوعية، وحماية الأطر الكفؤة. غير أن أي إصلاح تقني سيظلّ قاصرًا من دون قدوة النخب، إذ إن مكافحة المحاباة تبدأ دائمًا من القمّة. وأخيرًا، يتطلّب الأمر جهدًا تربويًا ومدنيًا طويل الأمد، للتأكيد على أن الالتفاف على القاعدة ليس دهاءً مشروعًا ولا حقًا مكتسبًا، بل اعتداء مباشر على الصالح العام.
تقف موريتانيا اليوم أمام بديل واضح: إمّا مواصلة التسامح مع المحاباة بوصفها شرًّا يمكن التحكّم فيه، بثمن إضعاف اقتصادي وأخلاقي دائم؛ أو الإقدام على قطيعة شجاعة قائمة على دولة القانون والإنصاف والمسؤولية. فالمحاباة ليست ظلمًا فرديًا فحسب؛ إنها عائق بنيوي أمام التنمية ومؤشّر على هشاشة العقد الوطني.
إن القضاء عليها لا يعني فقط تخليق الحياة العامة، بل إعادة تأسيس أسس الجمهورية ذاتها.
هارون ربّاني



.jpeg)

.jpeg)