العدالة الاجتماعية...  تكرس بالسياسات والبرامج  لا بالشحن والضجيج

إن النقاش حول العدالة الاجتماعية ينبغي أن يتجه نحو البحث عن نموذج وطني يضمن العدالة وتكافؤ الفرص، ويحفظ في الوقت نفسه وحدة المجتمع واستقرار الدولة؛ لأن الأوطان لا تبنى بمنطق الفرز الاجتماعي، وإنما تبنى بإرادة سياسية قادرة على تحويل التنوع إلى قوة.

فلم تعرف المظالم الاجتماعية في هذا البلد، ولا أصحابها، من العناية والاهتمام مثلما عرفته خلال حكم صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. فلأول مرة يتم اعتماد مقاربة جادة وصادقة وموضوعية لتفكيك جذور التفاوت ومعالجة آثاره بصورة تدريجية ومتوازنة، بعيدا عن منطق جلد الذات، وتضخيم الاختلالات، والخطاب العاطفي، وصناعة “الترندات” على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فذلك لا يقدم حلولا بقدر ما يفتح أبواب الشقاق والتفرقة.

لقد أدركت الدولة، في هذا العهد، أن معالجة الاختلالات الاجتماعية تحتاج إلى أدوات تنفيذية وسياسات واقعية تترجم على الأرض، وتنعكس مباشرة على حياة المواطنين.
لا عبر الخطابات العاطفية، ولا من خلال إعادة إنتاج لغة المظلومية.
▪︎ ومن هنا جاء التركيز على التعليم باعتباره المدخل الأكثر فاعلية لبناء العدالة الاجتماعية على المدى البعيد. فمشروع “المدرسة الجمهورية” الذي أرساه صاحب الفخامة لم يكن مجرد إصلاح تربوي، بل مثل رؤية سياسية متكاملة تسعى إلى بناء مؤسسة تعليمية على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، وإذابة الحواجز الاجتماعية، بما يسمح ببناء أجيال أكثر اندماجا وانسجاما مع فكرة الدولة الوطنية الجامعة. كما عززت الدولة هذا التوجه من خلال بناء آلاف القاعات الدراسية في المناطق الأكثر هشاشة، في رسالة واضحة مفادها أن العدالة تبدأ من توزيع الفرص، وأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون إنصاف الأطراف والفئات الأقل حظا.

▪︎ وفي الاتجاه نفسه، شكل تخصيص نسب معتبرة من مدارس الامتياز لأبناء الأسر المسجلة في السجل الاجتماعي خطوة ذات دلالة سياسية واجتماعية عميقة؛ لأنها تنقل أبناء الفئات الهشة من هامش الانتظار إلى فضاء التنافس المشروع، وتمنحهم فرصة حقيقية للاندماج في مسارات التميز والتفوق.

▪︎ كما أن توسيع برامج الحماية الاجتماعية عبر التحويلات النقدية المنتظمة، والتأمين الصحي، ودعم المواد الأساسية، وتوفير السمك بأسعار رمزية، يعكس انتقال الدولة من المقاربات الموسمية المحدودة إلى بناء شبكات حماية اجتماعية أكثر استقرارا واتساعا، تستهدف التخفيف من آثار الهشاشة، وخلق مستوى من الكرامة المعيشية للفئات الأكثر احتياجا.

▪︎ غير أن الأهم في هذه التجربة هو أن تدخل الدولة لم يقتصر  على البعد  الاجتماعي الضيق، بل  شمل مسارات موازية، لتؤكد أن معيار الولوج إلى المسؤولية هو الكفاءة والقدرة، لا الخلفية الاجتماعية أو الانتماء التقليدي.

إنها خطوات لا يمكن لأي وطني جاد وصادق إلا أن يثمنها، ويعتبرها أساسا قويا للتأسيس لدولة وطنية جامعة تتسع لكل أبنائها دون تمييز أو إقصاء.
وفي الأخير فالمواطن يميز بين من بنى العدالة الاجتماعية ومن استثمر في الضجيج...فلكم ضجيجكم ولنا أعمالنا.

أحد, 17/05/2026 - 21:29