
بدأ الوزير الأول المختار ولد أجاي نقاشًا مهمًا ومطولًا لبرامج حكومته، وتقييمًا لما تم إنجازه من تلك البرامج، إضافة إلى تقديم تفسيرات لما تأخر الإنجاز فيه، وذلك من خلال تدوينتين على صفحته الخاصة في فيسبوك. وقد جاءت التدوينة الأولى مختصرة وعلى شكل تساؤل يريد صاحبها الإجابة عنه، وتوجيه إجابات المتفاعلين مع التدوينة إلى حيث يريد، وهو نوع من طرق المصادرة على المطلوب التي لا يحبها المناطقة كثيرًا.
وقد أثار انتباهي، كما غيري، رد قدمه الوزير السابق والخبير الاقتصادي سيد أحمد ولد ابوه، الذي قدم ملاحظات في الصميم واستدراكات على ما قدمه الوزير الأول، وتصحيحات لمعلومات من جملة ما قدمه الوزير الأول في سياق رده على الملاحظات.
مثل هذا الحوار حلقة مهمة من نقاش برامج الحكومة كانت غائبة عن المهتمين، حيث لم نتعود على نقاش البرامج خارج دائرة العرض في البرلمان، والتي عادة لا تناقش البرنامج، ولكن تثمن ما قام به من أعده وقدمه، وتختزل ذلك في جملة مطالبات من النواب لصالح دوائرهم التي ينتمون إليها. ففي نقاش الميزانية يتحول التمثيل إلى مناطق خاصة، ويغيب تمثيل الوطن.
جاءت ردود الوزير على الوزير الأول منهجية وعلمية، وتناولت مواضيع حساسة من برنامج الحكومة الحالية، واستدراكات وملاحظات على تسيير الشأن العام طيلة الفترة الماضية. فهو يرد على رجل كان حاضرًا في الإدارات والوزارات مدة فترتين رئاسيتين، وقد تولى حقائب وزارية مهمة تجعله مطلعًا على مختلف الملفات وكافة القضايا الشائكة، ولعل من أهمها قضية المحروقات التي استدرك عليه الوزير فيها. وقد برر ذلك من خلال رده قائلًا: حين يكتب وزير سابق للاقتصاد والمالية لخمس سنوات كانت له فيها اليد الطولى والسلطة المطلقة، أنه لا يمتلك جوابًا على السؤال: لماذا انتظرنا كل هذا الوقت؟ وهو هنا يتحدث عن الطاقة التخزينية الهزيلة للمشتقات البترولية، فلا بد أنه من باب حسن الظن يطرح الموضوع للحوار.
ما سكت عنه الوزير هو أن الوزير الأول لا شك يعرف جيدًا السبب، وله بعض المسؤولية فيه، لأن الموضوع يشكل زاوية أساسية من زوايا الاقتصاد الموريتاني الذي كان مسؤولًا عنه.
يواصل ولد ابوه: سأجيب على سؤاله الذي عجز عن الإجابة عليه بالقول إن الفساد وغياب الرؤية وعدم الاكتراث بمستقبل هذا الشعب هي جملة الأسباب المباشرة.
ولعل هذه الأسباب التي ذكر الوزير ولد ابوه هي السمة الأساسية التي تميز تسيير البلد وتوجه سياساته، وقد تم تحديدها من طرف وزير سابق للاقتصاد، وليس من طرف باحث في مركز دراسات ولا زعيم في المعارضة، وإنما من طرف خبير في الاقتصاد ووزير سابق ومستشار في الرئاسة، لا يتحدث من فراغ ولا يقول ما ليس عليه دليل. وقد أجمل المشاكل التي يعانيها تسيير الشأن العام في البلد في: الفساد، وغياب الرؤية، وعدم الاكتراث بمستقبل البلد. فهذه هي السمات الأساسية لتسيير الحكومات المتعاقبة، بما فيها حكومة ولد أجاي التي تحاول لفت النظر عن هذه السياسات بأمور أخرى سيذكر الوزير بعضًا منها.
في موضوع المشاريع الكبيرة التي تم تمويلها من طرف الدولة، استدرك الوزير على الوزير الأول عدم ذكره لأكبر وأهم مشروع بتمويل ذاتي، وذلك ربما لأنه سبق فترة ولد أجاي. يقول: أكبر مشروع ممول ذاتيًا عرفته البلاد هو إعادة بناء طريق الأمل نواكشوط - النعمة في عهد فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبكلفة 140 مليار أوقية، أي 348 مليون دولار. ويتعلق الأمر بـ870 كيلومترًا، أي دون احتساب بوتيلميت - ألاك الممول خارجيًا بقرض من الصندوق العربي، ومقطع لحجار - جوك، وهو المقطع الذي كانت وضعيته جيدة ولا تتطلب إعادة بناء. ولكن هذا المشروع أُنجز قبل استلام صاحبنا لوظيفته الحالية، وبالتالي ربما لم يستحق بالنسبة له أن يُذكر، ولكنه بالنسبة لملايين الموريتانيين كان مشروعًا رائدًا، وكان ولا يزال أثره كبيرًا جدًا على نقل الأشخاص والبضائع.
ثم يتناول الوزير ولد ابوه مشروع عصرنة نواكشوط، والذي يذكر أنه زاد بعشرة مليارات أوقية دون سبب، وهو ما سيتساءل الجميع عنه. كما يتطرق للمبلغ الكبير الذي رُصد للجزء الثاني من عصرنة المدينة، وهو 100 مليار أوقية، والذي لم يحدد له مجال للتدخل ولم تسمَّ مشاريعه بعد، لكنه يلمح إلى أن طرحه لم يكن موفقًا في فترة الأزمة، وكان الأولى بالحكومة أن تخصصه لامتصاص تبعات الأزمة على المواطن وما سينتج عنها من نتائج.
وفي حديثه كذلك عن مشروع تنمية الولايات، قدم ملاحظة مهمة عن كيفية سيطرة الوزير الأول على تسيير أمور الوزارات من خلال تكوين لجان وزارية. يقول ولد ابوه: ولم يستجد سوى سحب الصلاحيات من الوزراء القطاعيين ومركزتها عند الوزير الأول عبر آلية اللجان الوزارية، والتي زادت على ثلاثمائة في عامين. وهذه طريقة ربما هي التي أثرت سلبًا على تسيير الوزراء لقطاعاتهم، وجعلتهم وزراء بغير وزارة.
وفي تعليقه على البرامج التي ذكر، والتي عدّها برامج الهدف منها الترويج للحكومة وبرامجها دون تحقيق نمو حقيقي ودون تقديم حلول جذرية لمشاكل المواطنين الفقراء، يقول الوزير: إن فترات الأزمات ليست الوقت المناسب للصرف على مساحيق التجميل وطلاء الواجهات، فالأولى في هذه الفترات هو حفظ النفوس عبر محاصرة التضخم وعزل الاقتصاد عن آثار الأزمات وحماية القطاعات الإنتاجية، ذلك أن العائلات الهشة ستلجأ، حتى في ظروف الدعم الموجه الذي أعلن عنه، إلى صرف ما ستتحصل عليه من إعانات وتزيد مما عندها للتشبث بطوق النجاة. حينها سندرك بشكل متأخر، للأسف، أن النتيجة لن تكون مجرد صفرية، بل سالبة.
يعرج الوزير على مفهوم رأى أن الوزير الأول استخدمه كثيرًا، وهو مفهوم لم يعد متداولًا ولا وجود له في أدبيات الاقتصاد منذ القرن التاسع عشر، وهو مفهوم السيادة المالية، والذي قدم مسوغات عدم وجوده، بل وعدم وجود سيادة مالية، لأن اقتصاديات الدول أصبحت منفتحة ومتداخلة بحيث لم تعد إحداها تستغني عن الدول الأخرى، حتى أمريكا والصين. لكنه نسي أن الوزير الأول ربما يتحدث عن السيادة المالية متمثلة في الضرائب التي تفرضها الدولة على الشركات والأشخاص، وأن تحصيلها يمثل سيادة الدولة واستقلالها الاقتصادي، حيث أصبحت الضرائب تمثل المنبع الأساسي لتمويل الميزانيات.
مثل رد الوزير، وجملة كبيرة من الردود الأخرى الجادة، طرحًا مغايرًا لطرح الوزير الأول، يلزمه الرد عليه وتقديم توضيحات عن الاستدراكات والتساؤلات التي طُرحت. ولأنه بدأ هذا النقاش فعليه أن يسير فيه حتى آخر مرحلة، لأنه لا محالة
أنً من فتحَ الأبـــــوابَ يغلقها *** و أنً من أشْعلَ النيرانَ يُطفيها



.jpeg)

.jpeg)