
عادةً ما تعكس الحروب الملامح الأولى للنهايات. فالإمبراطوريات تبدأ مسيرتها التوسعية في ظل السلم، رافعةً شعارات الدفاع عن القضايا العادلة، فتتمدد بهدوء وتستحوذ، بأقل الخسائر، على موارد هائلة ومواقع نفوذ واسعة. غير أن الخلل يبدأ عندما يتحول هاجس المحافظة على الصدارة إلى هوس دائم. وعند هذه المرحلة يصبح اللجوء إلى القوة والعنف خيارًا متكررًا، وهو في كثير من التجارب التاريخية أحد أبرز مؤشرات بداية الانحدار(الحرب البيلوبونيسية (431–404 ق.م، وحرب السوفيات ضد الأفغان 1979-1989).
في المواجهة الإيرانية–الأمريكية تبدو بعض العوامل متشابهة مع نماذج تاريخية سابقة، من حيث السعي إلى الهيمنة والاعتماد المفرط على القوة لتحقيق الأهداف السياسية.
ووفق هذه القراءة، فإن إدارة ترامب تخوض مواجهة تُقدَّم على أنها تخدم أهدافًا استراتيجية لإسرائيل. غير أن متابعة تطورات الصراع توحي بأن مساره يتخذ منعطفات أكثر خطورة. فقد بدأت إسرائيل هذه المواجهة بدعم أمريكي، لكنها لم تنجح، حتى الآن على الأقل، في جرّ معظم دول المنطقة إلى الانخراط المباشر فيها.
بيد أن الأمر من زاوية أخرى، يبدو أقرب إلى اعتماد الأمريكان على "الخطة ب" التي تقوم على إبعاد إسرائيل مؤقتًا عن واجهة المشهد، بما يتيح تعميق حالة التفكك الإقليمي عبر إشعال صراعات جانبية، سواء بين السعودية والحوثيين، أو من خلال توسيع دوائر الفوضى والخراب داخل المجال الجغرافي الذي يُنظر إليه بوصفه مرتبطًا بمشروع "إسرائيل الكبرى"، تمهيدًا لتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافه.
غير أن هذا السيناريو، بدأ يفقد زخمه مع تنامي الدعم الصيني والروسي لإيران، ولو بصورة غير مباشرة. وإذا استمر هذا المسار، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام استنزاف متزايد على أكثر من جبهة، بعضها عسكري مباشر، وبعضها الآخر اقتصادي واستراتيجي، من خلال الضغوط على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
أمام هذه الوضعية الحرجة قد تجد إسرائيل نفسها، للمرة الأولى، في مواجهة تحديات يصعب عليها تحملها منفردة إذا تراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تقديم الدعم غير المحدود. كما أن الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة قد تدفع قطاعات من الرأي العام والنخبة السياسية إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع إسرائيل على اعتبار أنها أسهمت في زيادة أعباء السياسة الأمريكية الخارجية.
عندئذ قد يتحقق مشهد يشبه انقلاب السحر على الساحر؛ حين تنقلب الأدوات التي ظُنَّ أنها كفيلة بإحكام السيطرة إلى عوامل تُسهم في إضعاف صاحبها بدلًا من تعزيز نفوذه.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)