
أثارت الضريبة الجديدة على التحويلات البنكية موجة انتقادات عارمة، بوصفها، في نظر الغالبية، استهدافاً مباشراً لقوت الناس اليومي، على حد تعبيرهم.
صحيح أن الخبراء يرون في الضرائب ضرورة لتمويل الدولة بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، وهي بهذا المنطق تخدم الفقراء أكثر من غيرهم. لكن الظاهر أن ثمة خلطاً في مفهومي "الجباية" و"الضريبة"، سواء لدى أصحاب القرار أو المواطن العادي، الذي يصعب عليه فهم هذه الإجراءات خارج سياق ممارسات جبائية "مفاجئة" في أساليبها وتوقيتها، بحسب غالبية المواطنين المستطلَعة آراؤهم.
هذه الهوة الشاسعة بين المفهومين تتطلب من الحكومة الحرص على عدم تكليف أشخاص بعينهم للدفاع عن الضرائب التي فرضتها مؤخراً؛ فالأمر في نظر الشعب يبدو أشبه بتبرير رئيس سابق لزيادة أسعار المحروقات بدعوى أن الأغنياء فقط هم من يستخدمونها. فهل يحمل الفقراء المواد الأساسية من نواكشوط إلى الداخل على عربات تجرها الحمير؟
هذا المنطق نفسه، الذي تتبناه غالبية الحكومات المتعاقبة على البلد، يدفعنا إلى طرح السؤال ذاته: هل زيادة الضرائب على أصحاب رؤوس الأموال لن تؤثر في الفقراء؟ فلنفترض أن مستورد الأرز والزيت والسكر فرضت عليه ضرائب إضافية، فمن هم الضحايا المباشرون لهذه الزيادة؟ بالتأكيد هم الفقراء.
المشكلة هنا لا تكمن في الضرائب بقدر ما تثيره من تساؤلات جوهرية حول مصيرها: أين اختفت ٨٠٠ مليار من العائدات الضريبية؟ الفقراء لم يروا انعكاساً لها على واقعهم المعاش، لا في التعليم ولا في البنية التحتية.
إن ترسخ هذه الصورة المتأزمة في الذهنية الجمعية للمواطن الموريتاني تجاه الضرائب يُلزِم الدولة بإعادة النظر في طرق إنفاقها، خاصة أن الجدل المثار حولها بات يهدد السلم المجتمعي بشكل مقلق.
والأخطر من ذلك هو محاولة بعض منظري النهج الضريبي فرض سياسة الأمر الواقع، التي يرون فيها خطة سحرية لتبرير تصوراتهم. لكن الحقيقة أن الصمت الشعبي إزاء هذه التصرفات هو مؤشر خطير على تفاقم الأزمة وقابليتها للانفجار، في ظل ازدياد المخاوف من أن تتحول الأعباء الضريبية المفروضة بشكل مجحف على الفقراء إلى غنيمة لبعض النافذين أو المقربين منهم.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)