مجلس السلام ومشروع ترامب في غزة.. ليس الاول ولن يكون الاخير

ابان النكبة وطرد الشعب الفلسطيني من ارضه وسرقتها بقوة السلاح عام 1948 لجأ عدد كبير منهم الى قطاع غزة وباتوا يشكلون اليوم حوالي ثلثي سكانه, منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، استُبدل حق هؤلاء اللاجئين في العودة الى بيوتهم ومدنهم وقراهم وتقرير مصيرهم بمشاريع ذات طابع انساني او امني او اقتصادي وجميعها ترمي الى ترويض قطاع غزة وتحويله إلى كيان يُدار على اسس اقتصادية وأمنية, وعلى الرغم من العدد الهائل من القرارات الدولية والاتفاقيات والمعاهدات والمفاوضات المارثونية، لم ينجح مشروع واحد في تحقيق ولو جزء من الحقوق الطبيعية والشرعية للشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والعيش بكرامة وفقاً للأسس القانونية السياسية والقرارات الدولية ذات العلاقة, بل معظم هذه المشاريع (ان لم يكن كلها) تهدف الى تكريس الاحتلال واحكام السيطرة وليس الى الحرية وتقرير المصير.
منذ أكثر من سبعة عقود، لا تتوقف المشاريع عن التدفق على قطاع غزة: مبادرات، خطط، مؤتمرات مانحين، ووعود إعادة إعمار, لكن النتيجة دائماً غزة أكثر دمارًا، أكثر فقرًا، وأكثر عزلة, والسؤال الذي يطرح نفسه, لماذا تفشل كل هذه المشاريع...؟؟، بل: هل صُمّمت كي تنجح حقاً؟
منذ النكبة، جرى التعامل مع غزة بوصفها مشكلة إنسانية مؤقتة، لا كجزء من قضية تحرر وطني, خلال فترة الإدارة المصرية (1948-1967)، لم يُطرح أي مشروع حقيقي، بل نُوقشت مشاريع لإعادة توطين اللاجئين خارج فلسطين، بدعم أمريكي عبر وكالة الأونروا، وقوبلت برفض فلسطيني واسع, وبعد احتلال إسرائيل لغزة عام 1967، طرح وزير الدفاع الإسرائيلي الاسبق موشيه ديان ما عُرف بالسلام الاقتصادي، القائم على تحسين دخل سكان القطاع وفتح سوق العمل امامهم مقابل إسقاط المطالب السياسية. قال ديان: "لن نناقش السيادة" هكذا نشأ نموذج تبعية اقتصادية بلا حقوق.
مع اتفاق أوسلو عام 1993، رُوّج لغزة كنقطة انطلاق لبناء الدولة الفلسطينية, في 1998 افتُتح مطار غزة الدولي بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتونالاسبق الذي قال حينها: "هذا المطار بوابة فلسطين إلى العالم", بعدها بنحو عامين تم تدمير المطار بالكامل، في رسالة واضحة أنه غير مسموح بأي رمز سيادي لغزة.
في 2005 نفّذت إسرائيل خطة فك الارتباط بقيادة أرييل شارون، الذي وصفها لاحقًا بأنها وسيلة لتجميد العملية السياسية, والحقيقة انه كان انسحاباً شكلياً فقط, احتفظت إسرائيل بالسيطرة على المعابر والجو والبحر وسجل السكان وفي العام التالي فرضت على القطاع حصاراً تاماً وحولته الى سجن كبير, ومنذ ذلك الحين دخلت غزة في دورات حروب متكررة (2008, 2012, 2014, 2021. 2022, 2023) خلفت دماراً واسعاً, وبعد كل حرب يتعهّد المانحون بمليارات الدولارات لاعادة الاعمار، لكن القيود الإسرائيلية تحول مبادرات اعادة الإعمار إلى عمليات أمنية وتجهضها, تقرير للأمم المتحدة عام 2025 قدّر كلفة إعادة إعمار غزة بحوالي 70 مليار دولار، محذرًا من أن استمرار القيود سيجعل الإعمار شبه مستحيل.
دونالد ترامب هو الاخر ادلى بدلوه في مزاد مشاريع غزة في فترة رئاسته الاولى من خلال ما اطلق عليه حينها "صفقة القرن" التي روج لها زوج ابنته جاريد كوشنر عام 2020، وتلك الصفقة الفاشلة اختُزلت غزة في مشاريع اقتصادية مقابل شطب قضايا السيادة واللاجئين وفي هذا الصدد قال كوشنر: "لا بد من التركيز على تحسين حياة الفلسطينيين ".
بعد حرب 2023-2025 المدمرة، عاد الحديث عن اليوم التالي لغزة»: إدارة دولية، إعادة إعمار مقابل نزع السلاح، بل وطرح سيناريوهات تهجير, يبدو من خطة ترامب ان المشاريع التنموية الاقتصادية في غزة  ترتبط بشروط أمنية وضعتها إسرائيل, وهذه قد تُحوِّل غزة إلى منطقة خاضعة لوصاية جديدة، بدل أن تضع  حلولاً تُعيد للسكان حقوقهم.
الخلاصة أن كل هذه المشاريع المذكورة قد فشلت, ليس لان غزة مغرومة بالاحتلال، بل لأن النوايا لم تكن صافية ولم يكن الهدف تمكين غزة من حريتها.  
هذا ومن ناحية اخرى, في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلّة التابعة للأمم المتحدة حول الأراضي الفلسطينية المحتلّة، التي نُشر جزء منه في 2025، خلُصت اللجنة إلى أن أفعال إسرائيل في قطاع غزة تتوافق مع أربعة من خمسة معايير قانون الإبادة وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948، بما في ذلك القتل الجماعي، إلحاق أذى بدني أو عقلي، وخلق ظروف حياة تهدف للتدمير الجسدي، وقيود على المواليد. التقرير يشير إلى استخدام القوة في مناطق مأهولة بالسكان بشكل مفرط، ويؤكد أن ذلك أدى إلى آلاف الضحايا المدنيين ودمار هائل للبنية التحتية.
منظمة العفو الدولية، نقلاً عن هذا التقرير الأممي، وصفت العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها إبادة جماعية مستمرة، وحذرت من أن تهجير السكان ومحو التراث التاريخي يمكن أن يشكل تهديدًا وجوديًا للسكان الفلسطينيين في غزة وما حولها، مطالبة المجتمع الدولي بتحرك عاجل.
مشاريع التنمية والإعمار المتكررة لغزة لا يمكن أن تنجح في بيئة تُمارس فيها انتهاكات واسعة لحقوق السكان وتهديدات بتهجيرهم أو تقييد حرياتهم الأساسية. التقارير الدولية تُظهر أن المسألة ليست مشروعًا إغاثيًا أو اقتصاديًا فقط، بل اختبار لمدى التزام المجتمع الدولي بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
ترامب الذي يلتف حوله دهاقنة اليهود المتنفذين في مفاصل الحياة الامريكية بل هو نفسه يهودي وفقاً لما قاله المعلق اليهودي الامريكي مارك ليفين مخاطباً الموجودين في احتفال بيوم الحانوكا في 17 ديسمبر الماضي في البيت الابيض وواضعاً ذراعه حول ترامب واصفاً اياه انه "كما قلت سابقاً انه اول رئيس يهودي في البيت الابيض", ليرد ترامب "هذا صحيح".
وتأكيداً لهذا الامر, فأننا لم نسمع كلمة واحدة من ترامب او فريقه حول جرائم الابادة الاجماعية والجرائم ضد الانسانية التي ارتكبها المجرومون الصهاينة ضد الابرياء العزل في قطاع غزة بما في ذلك مقتل نحو 25 الف طفل وضعف هذا الرقم تقريباً من النساء والشيوخ وتدمير كل مقومات الحياة في القطاع المنكوب وتحويله الى ارض محروقة غير صالحة للحياة بهدف واضح وجلي وهو إجبار اهله على الرحيل ليسرقوا ما تبقى من ارضهم, ناهيك عن المأساة الغير مسبوقة في التاريخ البشري المعاصر التي يعيشها من بقي على قيد الحياة من اهل قطاع غزة, وسط ظروف حياة لا تطاق, تفتقر الى ادنى متطلبات الحياة, بدون أماكن ايواء, مجرد خيم تكشف اكثر مما تستر, ممزقة من اغلب الجهات بما في ذلك السقف, تتقاذفها موجات الهواء شرقاً وغرباً, لا تقي من مياه الامطار ولا من البرد القاسي, بعض الاطفال ماتوا من البرد والكبار اغلبهم مرضى بنزلات البرد, بدون دواء او كساء, حسبي الله ونعم الوكيل.  
غزة، بدل أن تكون حالة اختبار للعدالة الإنسانية، بقيت ساحة تُدار عبر مشاريع متكررة, كلها تتجاهل السبب الجذري للصراع: انتهاك السيادة، مصادرة الحريات، ممارسة سياسة الابارتهايد والعنصرية والتطهير العرقي, نهب الارض والتنكر للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

 

اخر الكلام:
مجلس السلام الذي يعتبره ترامب اداة يسيطر بها على العالم وفي الوقت ذاته تدر عليه مليارات الدولارات كرسوم عضوية الني تبلغ مليار دولار للمقعد الواحد لمدة 3 سنوات تتجدد بعد موافقة ترامب الذي هو فقط الذي يملك حق الموافقة او الاعتراض على قرارات المجلس العتيد, يتوجس منه الاوروبيون ومعظم القوى الوازنة في العالم, البعض ينظر اليه كبديل لمجلس الامن للقفز على ارداة الدول دائمة العضوية في المجلس (الصين, روسيا, بريطانيا, فرنسا) وتملك حق الفيتو, وفيما يصفه البعض ومنهم الصحفي البريطاني الشهير ديفيد هيرست رئيس تحرير ميدل ايست اي انه عبارة عن عصابة مافيا".
مشروع ترامب ليس اول ولا أخر مشروع يقترحه الصهاينة واتباعهم بما فيهم ترامب لقطاع غزة, فقد اقترحوا مشاريع لها اول وليس لها اخر, كما اشرنا وكلها كان مصيرها غياهب التاريخ, رغم ان من كان وراء بعض المشاريع المذكورة محترفو سياسة مخضرمون, وليس تجار عقارات ومستثمرين البلد (الولايات المتحدة) بالنسبة لهم مجرد عقار يباع ويشترى, لأنهم ببساطة لا جذور لهم فبها, فأباءهم جاءوا من المانيا او ايرندا او اسكتلندا أوغيرها بهدف البحص عن فرص حياة افضل وليس حباً واخلاصاً ووفاءاً.....الخ, جاؤا من بلادهم الاصلية الى امريكا لدافع اقتصادي بحت, وترامب وكوشنر اصحاب المشروع تربوا ونشأوا داخل اعمال اهلهم ولم يعمل اي منهم خراج نطاق عائلته ولو ليوم واحد, اي انهم ورثوا عن اهلهم سبب مجيئهم الى اميركا ولماذا هم فيها....؟؟؟, يعني فقط للاستفادة, وهذه هي معاايير الحياة بالنسبة لهم, لا يعرفون ما هو وطن الاباء والاجداد, ولا يعرفون ما الانتماء لهذا الوطن, وليس لهم علاقة بهذه الكلمات, فهذه مصطلحات لا تعني لهم شيئاً...!!!!.
اهل قطاع غزة معروفون بصلابتهم وشدة بأسهم ورباطة جأشهم, وقطعاً لن يرضوا بتمرير مثل هذا المشاريع التآمرية, وفي حكم المؤكد ان مشروع ترامب كوشنر ويتكوف (جميعهم تجار عقار) سيكون مصيره مصير ما سبقه من تلك المشاريع المشبوهة وخصوصاً مشروع كان وراءه ترامب وزوج ابنته كوشنر وهو ما اطلفوا عليه صفقة القرن, لأنه ببساطة يتجاهل حقوقهم المشروعة في وطنهم ووطن ابائهم واجدادهم, بل يتجاهل وجودهم.
أيها الجهلة (وطنياً) ترسمون الخطط والبرامج وتؤسسون المجالس والهيئات ولم تلتفتوا الى تاريخ غزة وجغرافيتها وسمائها وبحرها وبرها وهوائها وشمسها ورمالها, ولم تلتفتوا الى اهلها واصحابها, ستفشلوا كما فشلتم سابقا,ً لان كل مشاريعكم تهدف لتليمع القيود ومزاليج السجون وطلائها بألوان قد تبدو براقة وحسب امزجتكم, هذه المرة لن تختلف.
نصيحة لا تضيعوا أوقاتكم وجهودكم واموالكم, من الغباء ان تكرر العمل نفسه وتتوقع نتيجة مختلفة, اذا اردتم النجاح (على حد زعمكم)  سيكون فقط حال فككتم القيود وهدمت جدران السجون ومنحتم فرصة حقيقية للحرية والانسانية والكرامة وتقرير المصير وحكمتم القوانين والقرارات الدولية.....فتجارب التاريخ اثبتت ان كل طلاب الحرية قد نالوها مهما استفحل الظلم وطال الظلام وسالت الدماء.
الحل اسهل بكثير مما تتصورا, جربوا ان تعطوا الشعب الفلسطيني حريته, وحقه في تقرير مصيره في ارضه وفقاً للمرجعيات الدولية فقط ذات الصلة, وعندها لن تحتاجوا لمجلس السلام ولا لترامب ولا كوشنر ولا اي من هذه الوجوه الكالحة.
ترامب وفريقه اليهودي بالكامل يتعمدوا تعقيد الامور وخلط الاوراق بهذا الشكل للقفز على الحقائق وحقوق ومقدرات الشعوب والسطو عليها وسرقتها عيني عينك, سياسة (المافيا) القوي ينهب الضعيف وابرز عناوينها غزة وفنزويلا, وعلى الطريق غرينلاند وكندا والمكسيك وكوبا وكولومبيا وايران وغيرها وغيرها.

 

د. سمير الددا
[email protected]

ثلاثاء, 27/01/2026 - 09:42