قصة القاضي الفرنسي مع البيظاني والحرطاني فى 1949

 

يروي الإداري الفرنسي غابرييل فيرال في مذكراته المعنونة Ma demeure fut l’horizon حادثة لافتة عاشها خلال عمله حاكمًا لدائرة كيفه سنة 1949. وكان فيرال قد قدم إلى موريتانيا عام 1942 كإداري متدرّب، حيث عمل في ألاك ولعصابه، قبل أن يُعيَّن سنة 1948 رئيسًا لدائرة كيفه.

 

وفي هذا المقطع من مذكراته، ينقل فيرال قصة رمزية تكشف عمق الفجوة بين التصورات القانونية الأوروبية والواقع الاجتماعي المحلي آنذاك، في مشهد إنساني بالغ الدلالة.

 

القصة كما رواها فيرال:

 

حدث ذلك سنة 1949، في الدائرة التي كنت مسؤولًا عنها. جاءنا قاضٍ شاب، ما يزال في طور التدريب، متقد الحماسة، مشبعًا بأفكار التحرير والعدالة، ومؤمنًا بضرورة تخليص إفريقيا من كل أشكال الظلم. طلب مني أن أترجم له حديثًا دار بينه وبين رجل بيظاني مسنّ، جاء برفقة رجل طويل القامة أسود البشرة.

 

دخلنا المكتب، وشرح الرجل المسن أن الرجل الأسود عبدٌ له، وأنه جاء ليأخذه إلى قريته بعدما حل موسم الأمطار، إذ عليه العودة إلى العمل وبدء الحصاد. وبما أن المحكمة كانت قد استدعت العبد للإدلاء بشهادته في قضية ما، فقد عرض البيظاني أن يشهد هو بدلًا عنه، مؤكدًا أن شهادته أَولى بالقبول، لأن شهادة العبد – في نظره – لا قيمة لها.

 

وأنا أترجم حديثه، كنت أراقب ملامح القاضي التي أخذت تحمرّ شيئًا فشيئًا، حتى بدا كمن يوشك على الانفجار. فقد رأى في كلام الرجل اعترافًا بممارسة العبودية، ومحاولة لشهادة زور، واستغلالًا لليد العاملة دون أجر. وكان واضحًا أن الرجل المسن، من حيث لا يدري، يسير بخطى ثابتة نحو عالم السجون بتهم كهذه.

 

وبعد أن أنهى القاضي مخاطبة الرجل البيظاني، التفت إلى الرجل الأسود الذي ظل صامتًا طوال الوقت، وقال له بحزم:

“اذهب الآن، أنت حرّ. يمكنك أن تفعل ما تشاء، ولن يُرغمك أحد على ما لا تريد. اذهب حيث شئت.”

 

رفع الرجل الأسود رأسه وقال بهدوء مشوب بالدهشة:

“أنت تقول إنني لست عبدًا لهذا الرجل؟ فمن أكون إذن؟ أكون لا شيء! أبي كان عبدًا لأبيه، وجدي عبدًا لجده، وأخته رضعت من لبن أمي… وتقول إنني لست ملكًا له؟”

 

ثم التفت إلى الرجل البيظاني وقال له بلطف:

“هيا بنا، لنغادر من هنا.”

 

وغادرا معًا، تاركَين القاضي الماركسي مذهولًا، لا يملك سوى الضحك، بعدما أدرك أنه دخل عالمًا لا تنطبق عليه مقاييسه الفكرية ولا قوانينه ولا زمنه.

 

الشيخ ولد مزيد

اثنين, 12/01/2026 - 09:44