
عنتريات الرئيس الامريكي دونالد ترامب وغطرسته المقززة واستعراض عضلاته مقابل دول يصنف بعضها "كجمهوريات موز" يحث على فتح بعض صفحات التاريخ العسكري الامريكي الحقيقي والفعلي.
عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تعتبر عملية "بلطجة"اذا صح التعبير, فهي ببساطة تنتهك كل الشرائع والاعراف والقوانين الدولية وحتى الامريكية, وما تلاها من تهديدات للعدد من الدول كالمكسيك, كولومبيا, ايران, كوبا وصولاً الى جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك التي هي عضو في حلف الناتو....ويا ريت توقف الامر عند هذا الحد, يبدو ان عملية البطجة ستغدو سياسة امريكية رسمية, وهذا ما صرحت به وازرة الخارجية الامريكية في بيان مقتصب على منصة اكس"هذا هو نصف الكرة الارضية الخاص بنا، وأرفقت بالمنشور صورة بالأبيض والأسود للرئيس ترامب مع شعار بارز كُتب باللونين الأبيض والأحمر: "هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا".
تجدر الاشارة الى هناك مبدأ امريكي من هذا القبيل يسمى مبدأ مونروأعلنه عام 1823 الرئيس الأمريكي الاسبق جيمس مونرو ويشتمل على 3 نقاط رئيسية, اولاً ان الولايات المتحدة تعتبر أي محاولة من الدول الأوروبية للتدخل في دول نصف الكرة الغربي عدوانًا على مصالحها, ثانياً ان الولايات المتحدة لن تتدخل في الشؤون الأوروبية أو النزاعات بين القوى الأوروبية,ثالثاُأي محاولة للسيطرة أو الاستعمار الجديد في الأمريكتين تعتبر خط أحمر.
اي ان مبدأ مونرو يهدف إلى اساساً الى منع التدخل الأوروبي في شؤون نصف الكرة الغربي، أي أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية والكاريبي، مع التأكيد على أن أي محاولة للاستعمار أو التدخل في هذه المنطقة ستُعتبر خطاً احمرأ, اي تهديدًا للأمن القومي الأمريكي, والسبب الرئيسي وراء هذا الاعلان ان القارة الامريكية الجنوبية بأكملها كانت خاضعة للاستعمار الاوروبي (الاسباني والبرتغالي والفرنسي).
اعادة طرح هذه السياسة في هذا العصر اي بعد اكثر من 200 سنة, وبهذه الشمولية (موجه لكل العالم وليس اوروبا فقط) يعتبر في منتهى الخطورة, يعني تغييب الشرائع والقوانين الدولية والدوس على سيادة الدول وتغليب قانون الغاب, القوي يأكل الضعيف, يعني ضمن ما يعنيه ان روسيا بنفس المنطق ستكون محقة بالسيطرة على اوكرانيا باعتبارها منطقة نفوذ تاريخية لها, وكذلك الحال دول البلطيق ودول شرق اوروبا ويمكن غربها, والمؤكد ان الصين ستكون سعيدة جداً بهذا المنطق الذي يبرر لها سيطرتها على تايوان ويمكن ايضاً اليابان فوق البيعة, وفي تقديري ان الزعيم الكوري الشمالي سيرقص فرحاً بهذه السياسة الامريكية الجديدة اذ سيمكنه بموجبها افتراس كوريا الجنوبية بدون ان يرف له جفن باعتبارها جزء لا يتجزأ من شبة الجزيرة الكورية التي يرى نفسه زعيماً تاريخياً لها اباً عن جد وبلا منازع, اما مآل الحال في الشرق الاوسط فسنفرد له مقالاً منفصلاً مستقبلاً ان شاء الله.
لنعود الى ما حصل في فنزويلا في الثاني من الشهر الجاري, الرئيس مادورو رئيس شرعي منتخب من قبل شعبه, وكل ذنبه انه لم يخضع للاملاءات الامريكية, وليس كما يدعي اعضاء ادارة الرئيس ترامب بأنه "مهرب مخدرات وداعم للارهاب", وهذه اتهامات تدحضها كل الادلة والوقائع والحقائق, فنزويلا دولة غنية جداً, فلديها اكبر احتياطات نفط في العالم تقدر بترليونات الدولارات وليست بحاجة لمداخيل مشبوهة من المخدرات او خلافها, والنظام الفنزويلي ما زال قائماً وتولت نائبة الرئيس السيدة ديلسي رودريغز منصب الرئاسة مؤقتاً والتي هددها ترامب هي الاخرى بمصير أسوأ من مصير مادورو " في حال عدم امتثالها لرغبات الولايات المتحدة الأمريكية وفعل ما هو صحيح" حسب قوله لموقع اتلانتك ونقلته وكالة رويترز بتاريخ 4 يناير الجاري, ولم يشير ترامب لتهريب مخدرات او ارهاب او غير ذلك, فهل كان مادورو يهرب المخدرات ويدعم الارهاب منفرداً.....!!!, الحقيقة ان الهدف هو السيطرة على مقدرات فنزويلاً وخصوصاً النفط, وهذا ما صرح به صراحة بدون مواربة كبار المسؤلين الامريكيين بما فيهم الرئيس ترامب نفسه قائلاً ان "الشركات الامريكية ستستغل النفط الفنزويلي" وكذلك نائب الرئيس جي دي فانسفي تغريدة له على منصة اكس بتاريخ 3 يناير الجاري.
معروف للقاصي والداني ان الامريكين لديهم اخطر واكبر وسائل الاعلام في العالم ويجيدون توجيه الاعلام التأثير على الرأي العام العالمي, لكن ذلك رغم اهميته البالغة لا يحسم المعارك العسكرية على الارض.
قد لا يختلف اثنان ان الولايات المتحدة لم تخض حرباً واحدة متكافأة (مع قوة مماثلة لها او مقاربة في العدة والعتاد) منذ الحرب العالمية الثانية والتي رغم انتصار الحلفاء التي انضمت اليهم في نهاية الحرب الا انها تكبدت خلالها خسائر فاضحة وسجل التاريخ باسمها واحدة من اكبرالهزائم وعمليات الاستسلام العسكرية التي شهدتها البشرية عبر التاريخ, وكما نشر موقع "History War" بتاريخ 15 ديسمبر 20215فقد شهدت جزيرة باتان الفلبينية في التاسع من ابريل عام 1942 مقتل نحو 20 الف جندي على يد الجيش الياباني من جيش قوامه نحو 100 ألف جندي وضابط والذي كان يقوده الجنرال الامريكي ادوارد كينج واستسلام الثمانين الفاً الباقين اي استسلام الجيش بأكمله وذلك لأقل من 4 آلاف جندي ياباني فقط كان يقودهم الجنرال هوماتا ماساهارو بعد حصار مرير استمر 3 أشهر.
عندها آقتاد اليابانيون الاسرى من الامريكيين والفلبينيين لمعسكرات الأعتقال مشيآ علي الآقدام لمسافة تبلغ حوالي 90 كم من ماريفيليس الواقعة في الطرف الجنوبي لشبه جزيرة باتان، إلى سان فرناندو، فيما عُرف باسم "مسيرة الموت في باتان", لان حوالي 25 ألفاً جندي من جنود جيش الجنرال كينج لقوا حتفهم تلك خلال المسيرة بسبب الجوع والمرض وسوء المعاملة, أما الذين أُنهكت قواهم ولم يعودوا قادرين على المشي من الاسرى، فقد طُعنوا بالحراب حتى الموت, وذلك وفقاً لتقرير نشره بتاريخ 9 نوفمبر 2009 موقع "”.History.com .
وصمة العار التاريخية هذه يعتم عليها الامريكيون ويمنعون اليابانيين من التفاخر بها اوتدريسها في الكليات العسكرية او حتى مجرد الاشارة اليها اعلامياً, وتتجاهلها سينما هوليود التي صدعت رؤسنا بافلام رامبو المفبركة والكاذبة, حتى في الصومال عندما حاول الجيش الامريكي التدخل هناك في التسعينات تم قتل حوالي 18 من جنوده هناك وسحلهم في شوارع مقديشو كالخراف مما اجبر من بقي حياً من الامريكيين على الهروب تحت جنح الظلام بعد دفع فدية لمليشيات محلية ساعدتهم على الهرب, وبعدها فوجئنا بهوليود تصنع فيلماً اسمه "بلاك هوك داون"Black Hawk Down- عن هذه الواقعة لا يمت للحقيقة.
الحقيقة الدامغة والموثقة ان معركة باتان المشار اليها تكاد ان تكون هي المعركة الحقيقية الوحيدة التي خاضها الجيش الامريكي ضد قوى مماثلة له او متقاربة معه في مستوى القوة والنيران, اما بقية المعارك والحروب التي خاضها منذ ذلك الوقت (كوريا, فيتنام, افغانستان, العراق, بنما, هايتي, ليبيا, اليمن, السودان, غزة, سوريا, ايران, فنزويلا وغيرها وغيرها) فكلها ضد دول لا تقارن اطلاقاً مع الولايات المتحدة عسكرياً.
في تقديري ان الولايات المتحدة لم ولا ولن تجرؤ على المواجهة العسكرية المباشرة مع قوة حقيقية كالصين او روسيا او حتى كوريا الشمالية مثلاُ.
أخر الكلام:
لا ادري لماذا يعتمل بداخلي ان هذا الموقف الامريكي المعلن لاول مرة في التاريخ السيطرة على نصف الكرة الارضية الغربي لم يتبلور من وراء القوى الرئيسية في العالم, واقصد الصين وروسيا تحديدا, نعم, ان الولايات المتحدة لن تجرؤ على البوح برغبتها في السيطرة على نصف الكرة الارضية الغربي (غرينلاند, كندا, واكثر من 30 دولة واقليم في امريكا الوسطى والجنوبية وجزر الكاريبي) بهذه الاريحية او صدفة او خاطر مفاجئ راود دونالد ترامب, لا يوجد صدفة او خواطر مفاجئة في السياسة, ولكن هناك خطط تعتمد على حقائق والحقائقتشير إلى أن الولايات المتحدة لم ولن تجرؤ على مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة حقيقية متكافئة، مثل الصين أو روسيا ان لزم الامر, وهكذا اعلان من طرف واحد يمكن ان يؤدي الى مثل هذه المواجهة.
لا ادري لماذا يساورني الشك في ان ذلك تم بالتفاهم بين الكبار, الغرب لامريكا, الشرق للصين, وروسيا لها الوسط (يعني يمكن كل اوروبا وليس اوكرانيا فقط)....والصغار تفاصيل....هل يعقل ذلك.....؟؟؟.
علمتنا التجارب انه في السياسة كل شي وارد, لكن الجواب الأكيد في رحم قابل الايام.
د. سمير الددا



.jpeg)

.jpeg)