
لم تكن حرب إسرائيل على قطاع غزة مجرّد عدوان عسكري دموي يُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات، بل شكّلت لحظة سياسية كاشفة داخل الولايات المتحدة نفسها. لحظة خرجت فيها إلى العلن، وبصوت مرتفع وغير مسبوق، أسئلة كانت حتى وقت قريب من المحرّمات في واشنطن:
من يوجّه القرار الأمريكي حين يتعلّق الأمر بإسرائيل؟ ولماذا تُعلَّق القيم الأمريكية عند بوابة تل أبيب؟
مع تجاوز أعداد الشهداء 75 الفاً، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، ومئات الصحفيين، وتدمير المستشفيات، وقتل طواقم الإغاثة والمنظمات الدولية، لم يعد من الممكن تسويق الخطاب التقليدي حول “الدفاع عن النفس”. فمشاهد غزة لم تُحرج إسرائيل وحدها، بل فضحت البنية السياسية التي توفّر لها الحماية داخل الولايات المتحدة.
ما بعد غزة، لم يعد الانحياز الأمريكي لإسرائيل يُقرأ بوصفه تحالفًا استراتيجيًا او حتى دعماً عسكرياً وسياسياً بلا حدود, بل كـتواطؤ سياسي صريح وانزلاق أخلاقي سحيق.
الفيتو الأمريكي المتكرر في مجلس الأمن لمنع التوصل لوقف اطلاق النار، رغم الإجماع الدولي الواسع، نقل واشنطن من موقع “الوسيط” إلى موقع الشريك في تعطيل العدالة الدولية، وأفقدها ما تبقّى من رصيد أخلاقي طالما استثمرته وتاجرت به في خطابات مصطنعة تنادي بحقوق الإنسان والديمقراطية.
في هذا السياق، تصاعد داخل الولايات المتحدة تيار ملحوظ) في الكونغرس، والإعلام، والجامعات، ومراكز البحث( يربط بوضوح بين هذا الانحياز الفجّ، وبين النفوذ الواسع للوبيات المؤيدة لإسرائيل التي نجحت لعقود في تحصين العلاقة من أي مساءلة حقيقية، وفي تحويل الدعم الأمريكي من خيار سياسي قابل للنقاش إلى التزام شبه مقدّس.
لطالما جرى الدفاع عن نفوذ هذه اللوبيات باعتباره جزءًا من “التعددية الديمقراطية” الأمريكية. لكن الحرب على قطاع غزة غيّرت المعادلة، وحوّلت هذا النفوذ إلى عبء ثقيل على الدولة الأمريكية نفسها:
• سياسيًا: انقسام داخلي غير مسبوق بين القاعدة الشعبية والنخبة الحاكمة.
• إعلاميًا: تراجع السيطرة على السردية الزائفة، حتى داخل المؤسسات الإعلامية التقليدية.
• دبلوماسيًا: عزلة دولية متزايدة واهتزاز صورة القيادة الأمريكية.
• استراتيجيًا: تآكل فكرة “التحالف القيمي” وتحولها إلى علاقة مكلفة بلا مردود أخلاقي.
لم يعد السؤال المطروح في واشنطن: هل لإسرائيل نفوذ على صانع القرار الامريكي؟, بل أصبح: هل هذا النفوذ يوجه صانع القرار ويملي عليه سياسات لخدمة اسرائيل حتى وان كانت تضر بالمصالح الأمريكية نفسها؟ او بمعنى اخر: هل اسرائيل اولاً ام امريكا اولاً...؟
غزة كسرت الخوف… وفلسطين عادت إلى مركز الصراع
الأهم أن غزة كسرت حاجز الخوف السياسي داخل الولايات المتحدة, فقد أصبح انتقاد إسرائيل علنيًا، مباشرًا، ومسنودًا بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان. ولم تعد تهمة “معاداة السامية” كافية لإسكات الأصوات، لأن الوقائع الميدانية كانت أقوى من أي دعاية.
نعم, جرائم اسرائيل في قطاع غزة وما ولدته من تعاطف شعبي هائل (خصوصاً بين فئة الشباب الامريكي) مع الشعب الفلسطيني حررت الكثيرين من قادة الرأي والفكر وحتى البعض من النخبة السياسية من عقدة الخوف من سطوة وبطش اللوبي الاسرئيلي الجاثم على صدور السواد الاعظم من الساسة الامريكيين وصناع القرار منذ عقود, والذي بدأت قبضته المكلبشة باحكام حول مفاصل صنع القرار الامريكي في التخلخل على اثر ارتفاع مثل تلك الاصوات التي تنتقد جرائم اسرائيل في قطاع غزة وتنتقد كذلك الدعم الامريكي اللامحدود لاسرائيل برغم ارتكابها لجرائم الابادة وجرائم الحرب المروعة.
هذا المناخ الامريكي الجديد هو الذي مكن القضية الفلسطينية من العودة إلى الخطاب السياسي الأمريكي بعد عقود من التهميش أو الاختزال في “نزاع معقّد”. لم يعد الفلسطيني يُقدَّم بوصفه “مشكلة أمنية”، بل كضحية منظومة احتلال واستيطان وتمييز بنيوي بدعم عسكري وسياسي امريكي، وهو ما أعاد طرح القضية على الاجندة الدولية بهذا الزخم, رغم محاولات نتنياهو المستميتة للالتفاف على التحول العالمي وخصوصاً الامريكي, ولكن التيار العالمي الدافع للقضية اقوى بكتير من هذه المحاولات البائسة.
ما بعد الوهم: الدولتان، الدولة الواحدة، أم تفكيك الأبارتهايد؟
هذا التحول في الوعي الأمريكي يضع الخيارات السياسية التقليدية أمام اختبار حاسم:
• حل الدولتين، كما طُرح تاريخيًا، بات في نظر قطاعات متزايدة وهمًا سياسيًا، بعد أن قضم الاستيطان الإسرائيلي الأرض، وحوّل الدولة الفلسطينية إلى كيان غير قابل للحياة.
• حل الدولة الواحدة يطفو مجددًا، لكن ليس كصيغة تعايش طوعي، بل كسؤال قانوني وأخلاقي: هل يمكن لدولة واحدة أن تستمر كنظام تمييز عرقي دائم؟
• هنا تحديدًا يبرز مفهوم تفكيك نظام الأبارتهايد، الذي انتقل من تقارير حقوقية إلى خطاب سياسي وإعلامي أمريكي متداول، باعتباره المدخل الحقيقي لأي تسوية عادلة ومستدامة.
غزة أجبرت واشنطن، ولو مرحليًا، على مواجهة حقيقة كانت تتجنبها, دفعتها للتعاطي مع هذا الصراع رغم رغبتها تجاهله والقفز عليه باتفاقيات هنا او هناك باسماء براقة، فقد اصبح تجاهل هذا الصراع والقفز عليه او حتى تأجيله لم يعد خيارًا بلا كلفة.
اخر الكلام:
قد لا تعني هذه التحولات انقلابًا دراماتيكياً في السياسة الأمريكية او انهياراً فوريًا للتحالف الامريكي الاسرائيلي لكنها بلا شك بداية تصدّع بنيوي في أحد أكثر التحالفات تحصينًا في النظام الدولي المعاصر.
فالولايات المتحدة، وهي تواجه قوى دولية كبرى ومنافسة خطيرة تسعى لتأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب، لم تعد تملك ترف الارتهان لتحالفات تُقوّض شرعيتها الأخلاقية، وتعمّق عزلتها، وتضعف قدرتها على الاحتفاظ بدورها الريادي في قيادة نظام دولي آخذ في التشكل.
إذا استمر هذا المسار وهذا التوطؤ، فإن ما بدأ في غزة قد يتجاوز حدود القضية الفلسطينية، ليصبح جزءًا من إعادة تعريف الدور الأمريكي نفسه بل وحتى تقزيمه من دور قوى عظمى تسعى لنشر الاستقرار في العالم الى مجرد حليف لعصابات تنتهك القانون الدولي قادتها منبوذين مطاردين ومطلوبين للمحاكم الدولية كمجرمين.
دور أقل تسامحًا مع جرائم الحلفاء، وأكثر خضوعًا لمعايير القانون الدولي، وأكثر إدراكًا بأن الهيمنة الأخلاقية شرط للهيمنة السياسية.
قد لا تكون غزة قد أسقطت اللوبي الإسرائيلي في واشنطن بالضربة القاضية, لكن المؤكد انها نجحت في نزع قدسيته في الوعي الجمعي الأمريكي وكشفت عن وجهه القبيح وازاحت عن هذا اللوبي الهالة المرعبة التي نسجها حول نفسه والاهم من ذلك تم تحييد (الى حد بعيد) اشد انيابه حدةً ورعباً (معاداة السامية التي اصبحت اسطوانة مشروخة فقدت سطوتها), وحين تبدأ مثل هذه المنظمات الشريرة بفقدان شيئ من نفوذها وقدسيتها وتأثيرها في مراكز القرار فانها تبدأ في الانحدار والتراجع، والمسألة مسألة وقت لتصل الى فصلها الاخير.
وفي السياسة، كما في التاريخ، التصدّع الأخلاقي وتراجع النفوذ هو دائمًا بداية الانهيار الاستراتيجي.
د. سمير الددا



.jpeg)

.jpeg)