ارتدادات تحالف دول الساحل على أمن موريتانيا

يتشكل تحالف دول الساحل في صورته البارزة اليوم بوصفه تحولا في طريقة إدارة الإقليم أكثر مما هو عنوان دبلوماسي إضافي، لأن الأمر يتجاوز التقارب السياسي بين عواصم ثلاث إلى انتقال متدرج نحو منطق يجعل شرعية الأنظمة مرتبطة بالفعل الأمني ويمنح الترتيبات العسكرية وظيفة تأسيسية في إعادة تعريف المجال الساحلي نفسه. وحين يتحرك الإقليم بهذا الإيقاع تتبدل قواعد الجوار على نطاق واسع، لأن ما يجري في شمال مالي وغرب النيجر لا يبقى محصورا داخل حدود تلك الدول، بل يمتد أثره إلى الأطراف المتاخمة حيث تتداخل حركة الجماعات المسلحة مع اقتصاد العبور وتثقل هشاشة الخدمات قدرة الدول على الاستيعاب وتصبح التوازنات المحلية أكثر حساسية لأي تحول في السوق والحركة والعبور. 
ضمن هذا السياق، يصبح السؤال الموريتاني سؤال ارتدادات أكثر منه سؤال مواقف معلنة لأن موريتانيا لا تواجه التحالف كخصم مباشر، لكنها تتعامل مع بيئة حدودية يمكن أن تدخل طور ضغط مستمر تتغير فيه حركة الخطر بدل أن تختفي. فحين يكثف التحالف عملياته داخل مناطق بعينها من شمال مالي أو غربه، قد تصبح بعض الممرات التقليدية أكثر كلفة وأشد مراقبة، فتضطر الشبكات المسلحة وشبكات التهريب إلى تحويل مساراتها نحو طرق بديلة أقل مراقبة وقد تكون أقرب إلى التخوم الموريتانية أو أكثر التصاقا بها. وعندما يفكك التحالف ممرا معروفا أو يغلق نقطة عبور كانت مألوفة، لا تتوقف الحركة تلقائيا، وإنما تستمر عبر نقاط جديدة ووسطاء جدد ومسالك أقل ظهورا، فتتبدل خرائط العبور بسرعة وينتقل الضغط من نقطة إلى أخرى وتصبح الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية مساحة اختبار يومي للرصد والاستباق. 
تتجسد المفارقة الأساسية في أن أي اندفاعة عملياتية داخل فضاء التحالف لا تنتج دائما أثرا خطيا يمكن توقعه. فحين يضغط على الجماعات المسلحة في مناطق بعينها، لا تختفي تلقائيا، وإنما تميل إلى تفكيك حضورها وإعادة توزيعه فتتحول من تشكيلات كبيرة يسهل رصدها إلى خلايا أصغر وأكثر مرونة وتستبدل الانتشار الكثيف بحركة دائمة تقوم على التخفي والتمويه وتبديل المسارات. وفي مثل هذا التحول تتقدم فاعلية الاقتصاد الحدودي بوصفه غطاء، لأن الشبكات التي تعرف الطرق وتدير العبور وتؤمن الخدمات اللوجستية لا تتوقف عندما يتغير ميزان القوة، وإنما تعيد التفاوض على مواقعها فتتداخل تجارة الوقود والسلع مع تهريب البشر، ويصبح السلاح مجرد عنصر إضافي في سلسلة أوسع لا تظهر بسهولة من زاوية "الحدث الأمني" وحده.
لهذا السبب تحديدا يصبح التهديد الأقرب إلى موريتانيا هو تهديد الضغط منخفض الوتيرة، وليس تهديد الاختراق الكبير. ولا يأتي الخطر هنا في صورة هجوم واحد يعلن نفسه، وإنما في صورة تراكمات بطيئة تتسرب عبر الأطراف، حيث تتقاطع هشاشة الخدمات مع اتساع المجال ومع قابلية بعض المناطق لأن تتحول إلى محطات عبور أو نقاط استراحة أو أسواق ظل. ومع كل موجة نزوح قادمة من الجوار، يتسع المجال الرمادي بين البعد الإنساني والبعد الأمني، ويتعقد عمل الدولة بين واجب الاستضافة وضرورات التحوط ويزداد احتمال أن يتم استثمار الحركة البشرية بوصفها ستارا لحركة أخرى، أو بوصفها مورد ضغط يفتح باب الاحتكاكات المحلية ويخلق توترات قابلة للاستغلال.
ومن هنا تتحدد المعادلة الأكثر حساسية لموريتانيا في المرحلة المقبلة في القدرة على منع "التطبيع مع الضغط" قبل أن يتحول إلى واقع ثابت. فالحدود التي تتم إدارتها باعتبارها خطا عسكريا فقط قد تنجح في صد حادثة، لكنها لا تكفي وحدها لضبط بيئة تتغير فيها طرق العبور بسرعة وتتبدل فيها شبكات الوساطة. وما يحتاجه التفكير هنا هو إدراك أن التهديد حين يتزحزح لا يختفي، لكنه يتبدل في طريقة ظهوره، وأن المخاطر في هذه المرحلة لا تعلن عن نفسها دائما في صورة هجوم كبير أو خبر أمني صاخب، وإنما تتسرب عبر تغير مسارات العبور وظهور وسطاء جدد واتساع اقتصاد الحدود وتبدل وجهات النزوح والتهريب، ثم تتحول هذه العلامات الصغيرة إلى نمط متكرر إذا لم يتم التعامل معها مبكرا. ولهذا فإن أمن الأطراف يبدأ من قراءة التحول في الجوار بوصفه مسارا يراكم أثره يوما بعد يوم ويعيد تشكيل السلوكيات والمسالك داخل المجال الحدودي، وليس بوصفه حدثا ظرفيا يتراجع الاهتمام به بعد أيام.
ويتصل بهذه المفارقة بعد سياسي لا يقل أثرا عن البعد العملياتي، لأن تحالف دول الساحل يعيد ترتيب الميدان لكنه يعيد في نفس الوقت ترتيب شبكة العلاقات حول الميدان. فخروج دول التحالف من أطرها الإقليمية التقليدية وصعود خطاب سيادي حاد وتبدل أنماط الشراكات الخارجية، كلها عوامل تخلق مجال استقطاب جديد تتقاطع فيه حسابات الأمن مع حسابات الشرعية ومع حسابات التموضع الدولي. وفي مثل هذا المناخ تصبح موريتانيا عرضة لضغط مزدوج مصدره صورتها كدولة استقرار من جهة وموقعها كجار مباشر لمسرح التحول من جهة أخرى. فقد تطلب منها أدوار أكبر مما تسمح به طاقتها الفعلية وقد يطلب منها أن تنحاز إلى طرف أو محور بعينه بدل أن تحافظ على توازنها، ثم قد تتبدل صورة الحدود نفسها في عين الخارج، فينظر إليها بوصفها "خط خدمة" لمنع عبور المهاجرين والتهريب وتأمين مصالح الشركاء، أكثر مما ينظر إليها بوصفها مجالا سياديا يجري تسييره انطلاقا من أمن المواطنين وتنمية الأطراف وحماية التماسك الداخلي.
وتظهر حساسية هذا الضغط حين نضعه في سياق الحركة البشرية القادمة من الجوار؛ فالنزوح ليس ملفا إنسانيا منفصلا عن الأمن وهو أيضا ليس تهديدا أمنيا خالصا يمكن التعامل معه بمنطق الاشتباه، إذ إن النزوح في بيئات الساحل يعتبر مؤشرا على تغير ميزان السيطرة داخل المجال المجاور، وممرا يختلط فيه الفرد الباحث عن أمان بخدمات السوق الرمادي، كما أنه تتوسع معه مساحة الشائعات والخوف والفرز الاجتماعي. ومع كل موجة جديدة منه تتزايد كلفة الإدارة المحلية في الأطراف، وتختبر قدرة الدولة على حفظ التوازن بين واجب الاستضافة وحماية الأمن المجتمعي، وتنفتح ثغرات يمكن للفاعلين الهجينين أن يستثمروها عبر التجنيد أو عبر التغلغل الاقتصادي أو عبر تغذية الاحتكاكات المحلية.
ومن هنا تتحدد المعادلة الأكثر حساسية لموريتانيا في المرحلة المقبلة في القدرة على منع "التطبيع مع الضغط" قبل أن يتحول إلى واقع ثابت، لأن الحدود التي تتم إدارتها باعتبارها خطا عسكريا فقط قد تنجح في صد حادثة، لكنها لا تكفي وحدها لضبط بيئة تتغير فيها مسالك العبور بسرعة وتتبدل فيها شبكات الوساطة وتعيد فيها الأسواق غير الرسمية ترتيب وظائفها. وما يحتاجه التفكير هنا هو إدراك أن التهديد حين يتزحزح لا يختفي، لكنه يتبدل في طريقة ظهوره، فتتراجع العلامة الصريحة ويتقدم الأثر الهادئ الذي يتسرب عبر تغير مسارات العبور وظهور وسطاء جدد واتساع اقتصاد الحدود وتبدل وجهات النزوح والتهريب، ثم تتحول هذه العلامات الصغيرة إلى نمط متكرر إذا لم يتم التقاطه مبكرا وقطع طريق الترسخ عليه. ولهذا فإن أمن الأطراف يبدأ من قراءة التحول في الجوار بوصفه مسارا يراكم أثره يوما بعد يوم ويعيد تشكيل السلوكيات والمسالك داخل المجال الحدودي، ويتطلب إدارة تبقي الرصد والاستباق وإدارة المجال المحلي في صلة دائمة، وليس بوصفه حدثا ظرفيا يتراجع الاهتمام به بعد أيام ثم يعود إلى الواجهة عند أول احتكاك.
 وفي أفق 2026، يمكن تصور مسار مرجح لا يقوم على الانفجار الكبير ولا على الهدوء الكامل، وإنما على احتواء متوتر تحافظ فيه موريتانيا على صلابة خطها الداخلي، بينما تستمر ارتدادات الجوار عبر موجات نزوح متقطعة ومحاولات تسلل صغيرة وتوسع اقتصاد الحدود، بما يفرض يقظة دائمة وتنسيقا أعلى بين الرصد الاستخباري والإدارة المحلية والتنبيه الاجتماعي. وقد يذهب المسار في اتجاه أشد صعوبة إذا أدى تكثيف العمليات المشتركة داخل فضاء التحالف إلى تزحزح منظم للجماعات وشبكاتها نحو التخوم، فتتحول "الرماديات" إلى نمط شبه يومي يستنزف الموارد ويطيل زمن الانتباه ويضاعف الاعتماد على الإنذار المبكر. أما المسار الأعلى كلفة فيبقى مرتبطا بتدهور حاد داخل شمال مالي يعيد إنتاج موجات نزوح أكبر ويخلق فراغات إضافية تستفيد منها شبكات أكثر تنظيما، وحينها تتداخل الجريمة مع العنف ويصبح استقرار الأطراف تحديا مركبا تتقدم فيه السياسة المحلية إلى جوار الأمن.
في المحصلة، فإن تأثير تحالف دول الساحل على موريتانيا لا يأتي من نصوصه التأسيسية ولا من لغته السيادية، وإنما من قدرته على تغيير إيقاع الجوار الذي تتنفس منه الحدود الشرقية. فعندما تنتقل دول التحالف إلى منطق العمليات المشتركة وإلى بناء شرعية داخلية تقوم على الفعل الأمني المستمر، تتبدل المخاطر المحيطة بموريتانيا في طريقة ظهورها، فتتراجع صورة التهديد الصريح بوصفه مواجهة مباشرة ويبرز بدلها نمط ضغط متحرك يتغير موقعه ومساره بحسب شدة المراقبة وبحسب كلفة العبور وبحسب قدرة الشبكات على إعادة التموضع. وفي هذه الحالة يصبح الاحتمال الأكثر واقعية أن تبقى موريتانيا بعيدة عن الصدام المباشر، لكنها داخل مجال ارتداد دائم يعيد تشكيل مسالك المرور ويزيد الحاجة إلى الرصد الاستباقي ويرفع كلفة إدارة الأطراف ويجعل أي تراخ في التقاط الإشارات الأولى مكلفا حتى إن لم تسجل حادثة كبيرة في العلن.
وبناء على ما سبق، فإن الاحتمال الأرجح في 2026 هو أن تبقى موريتانيا خارج صدام مباشر واسع، وإن كانت ستظل داخل مجال ضغط حدودي متحرك مرجح الاستمرار تتبدل فيه قنوات الخطر ومسالك الحركة أكثر مما تتبدل دوافعه، وتتراكم فيه احتكاكات صغيرة تضع الجاهزية في امتحان دائم وتحول الرصد والاستباق إلى عمل يومي. ولا يتمثل الخطر المركزي في اختراق كبير واحد، وإنما في تآكل السيطرة بالتدريج عبر اعتياد الرماديات حتى تصبح جزءا من الحياة اليومية، وعند ذلك ترتفع كلفة الاستعادة لأن المشكلة تكون قد تحولت إلى شبكة مسالك ووسطاء ومصالح وتكيفات اجتماعية واقتصادية يصعب تفكيكها بقرار واحد أو بحملة أمنية قصيرة.
ولهذا، فإن ما يستحق المتابعة في الأشهر القادمة لا ينبغي أن يقتصر على ما يعلنه التحالف في بياناته، بل عليه أن يمتد إلى ما ينتجه فعلا على الأرض في شمال مالي وغرب النيجر، لأن التحول في مسرح العمليات هناك يترك أثره الأول في حركة النازحين وفي إيقاع السوق قبل أن يتركه في لغة السلاح. فإذا بدأت مسالك العبور تتغير نحو طرق أقل ظهورا وبرزت وساطات جديدة تعيد وصل الشبكات عبر الحدود وإذا اتسعت الأسواق غير الرسمية حول نقاط التماس وإذا تزايد الضغط الإداري والاجتماعي في مناطق الاستقبال، فإن هذه العلامات لا يجدر التعامل معها كظواهر منفصلة، وإنما كإشارات على أن الخطر يتحرك في طبقته الهادئة وأنه يعيد تشكيل المجال الحدودي من الداخل. وعند هذه النقطة يصبح الأمن في أمس الحاجة للنظر إليه بوصفه صلة دائمة بين الرصد والاستباق وإدارة المجال المحلي، وليس بوصفه رد فعل موسمي على حادثة أو حوادث عابرة.

مركز أودغست للدراسات الإقليمية

سبت, 27/12/2025 - 20:22