وثيقة من البنتاغون.. الصين ستهزم الولايات المتحدة وتغير ميزان القوة العالمي

قبل التعرض لوثيقة البنتاغون (وزارة الحرب الامريكية) السرية للغاية التي تسربت للصحافة الامريكية الاسبوع الماضي بشأن استطاعة القوات الصينية الحاق هزيمة ساحقة بالقوات الامريكية في حال حصول مواجهة عسكرية بينهما في منطقة بحر الصين, لفتني تقرير خطير يتناول الموضوع ذاته نشره موقع الدفاع العربي السبت 13 ديسمبر الجاري بعنوان: "الصين تحذر الولايات المتحدة: من يسعى إلى تدمير بكين سيتم تدميره، نمتلك صاروخ عابر للقارت يحمل 60 رأس نووي ورأس آخر هيدروجيني".

المعلومات التي اوردها هذا التقرير على لسان نائب رئيس مركز الصين والعولمة فيكتور جاو غير مسبوقة وفي غاية الخطورة, فالرجل لا يتحدث فقط ان بلاده تملك صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات قادرًا على الوصول إلى أي نقطة في العالم خلال أقل من عشرين دقيقة، وتدمير أي هدف في أي مكان دون إمكانية حقيقية لاعتراضه, بل ذهب ابعد من ذلك بكثير قائلاً ان الصين لديها صاروخ (DF-61) وهذا الصاروخ المخيف وفقاً لما ذكره المسؤول الصيني يمكنه نقل 60 قنبلة نووية واخرى هيدروجينية...!!!!!!, ما يعني انه يمكنه ببساطة انهاء الحياة بكافة اشكالها في دول بأكملها...شئ لا يمكن تصوره....!!!!!!. 

يبدو ان اجابة التساؤل في عنوان هذا المقال هي نعم كبيرة, والبرهان على ذلك ليس فقط تقرير موقع الدفاع العربي المذكور اعلاه, بل ايضاً ما تسرب من داخل وزارة الحرب الامريكية, الذراع الثقيلة للامبراطورية الامريكية التي تربعت منفردة على عرش النظام العالمي القائم منذ نحو 3 عقود ابان سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينات بعد ان كان يشاركها السيطرة على العالم بعد فوز كليهما على المانيا وحلفائها دول المحور في الحرب العالمية الثانية, فقد نشرت صحيفة انديبيندنت مقالاً لشويتا شارما بتاريخ 11 ديسمبر الجاري كشف عن تسريب تقرير "سري للغاية" لوزراة الحرب الامريكية (البنتاغون) يحذر من ان الصين ستكون متفوقة بشكل كبير على الجيش الامريكي في حالة حدوث مواجهة عسكرية بين الطرفين حول تايوان.

أعاد تسريب هذا التقرير السري للغاية فتح نقاش واسع حول مستقبل التفوق العسكري الأمريكي، بعد أن أظهرت التقييمات الواردة فيها أن الصين باتت قادرة، في سيناريوهات معينة، على إلحاق خسائر جسيمة بالقوات الأمريكية وسريعة خلال دقائق معدودة، خصوصًا في حال اندلاع حرب بين القوات الامريكية والصينية في بحر الصين. 

في السياق ذاته تناولت صحيفة موني كونترول نفس الموضوع في مقال نشرته الخميس 11 ديسمبر الجاري بعنوان صادم: "الصين قادرة على سحق الجيش الأمريكي وتدمير أكبر حاملة طائرات تابعة له في حال اندلاع حرب في تايوان".

ورغم هذه العناوين المثيرة التي تحدثت عن “هزيمة أمريكية محتملة”، فإن الوثيقة لا تعلن انهيار القوة الأمريكية، بقدر ما تكشف عن تحول عميق في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد القوة العظمى قادرة على فرض إرادتها العسكرية بسهولة، حتى في مواجهة دولة واحدة.

توضح التقييمات أن الصين لا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة عالميًا بالطريقة التقليدية، بل ركزت على بناء قدرات عسكرية نوعية في محيطها الجغرافي المباشر, فمن خلال ترسانة متطورة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة والحرب الإلكترونية، أصبحت بكين قادرة على رفع كلفة أي تدخل عسكري أمريكي في منطقة المحيط الهادئ إلى مستويات غير مسبوقة.

وبهذا المعنى، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في ان دولة او جيش يمنى بهزيمة عسكرية, ولكن ان يتم هزيمة القطب العالمي الاوحد هنا تكمن الاشكالية, فالدولة العظمى اذا هزمت ولو مرة واحدة فقط تفقد مكانتها كدولة عظمى وهذا ما حصل لبريطانيا وفرنسا ابان هزيمتهما في بدايات الحرب العالمية الثانية قبل تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي, فما بالك بالقطب العالمي الاوحد الذي يتربع على عرش النظام الدولي منفرداً لعقود.

في حال اندلاع صراع حول تايوان، ستقاتل الصين على مقربة من أراضيها، معتمدة على كثافة نارية ودفاعية عالية وتكنولوجيا عسكرية متطورة جداً، بينما ستضطر الولايات المتحدة إلى القتال على مسافات بعيدة، وبخطوط إمداد معقدة, وهذه المعادلة تجعل أي حرب غير حاسمة وغير سريعة (وهو المرجح) مكلفة جداً عسكرياً ومادياً وعبئًا سياسيًا واخلاقياً على واشنطن، أكثر مما هي عليه على بكين, وهذا ما تشير اليه الوثيقة المسربة بأن هناك إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بأن الحرب المحتملة مع الصين لن تُحسم بالقوة العسكرية لان الجيش الامريكي لا يمكنه ذلك وفقاً لموازين القوى حالياً، بل بالقدرة على الصمود، وتحمل الخسائر، وإدارة الزمن السياسي للصراع.

الوثيقة تبرهن بوضوح ان الصين دون أن تخوض حربًا فعلية مع الولايات المتحدة، نجحت في إعادة تعريف قواعد الردع، وجعلت خيار المواجهة المباشرة مكلفًا وخطيرًا, وان على الولايات المتحدة ان تفكر اكثر من مرة, بل عشرات المرات قبل الاقدام على الخيار العسكري, لان كل المؤشرات وفقاً للمعطيات المتوفرة يشير الى هزيمة مؤكدة للجيش الامريكي مما يعني خسارة الولايات المتحدة لزعامة العالم.

نعم تشير هذه التطورات إلى انتقال النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتسم بتعدد مراكز القوة، وتراجع قدرة أي دولة، مهما بلغت قوتها، على فرض إرادتها بالقوة العسكرية وحدها.

لا شك انه سيكون لهذا السيناريو تداعيات هائلة على منطقة الشرق الاوسط, اذ لا تقتصر تداعيات هذا التحول على شرق آسيا وحده، بل ستمتد إلى كل العالم تقريباً وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط، حيث اعتمدت الولايات المتحدة لعقود على تفوقها العسكري المطلق لفرض توازنات سياسية ومعادلات عسكرية ومقاربات أمنية في هذه المنطقة وكلها تتمحور حول هدف واحد ووحيد هو الدعم غير المشروط لإسرائيلعلى حساب بقية شعوب المنطقة خصوصاً الفلسطينيين.

ولكن مع انشغال واشنطن المتزايد بمواجهة الصين وفقاً لهذا السيناريو، ستتراجع قدرتها على خوض حروب كبرى متعددة الجبهات، وتتقلص هوامش المناورة الأمريكية في مناطق العالم المختلفة ومن بينها الشرق الأوسط, وهذا سيؤدي وفقاً لمنطق هذه التطورات الى تراجع الاهتمام الأمريكي النسبي باسرائيل ومراجعة سياسة تقديم دعم لا متناهي لها كما هو الحال اليوم, كما سيؤدي ذلك الى تقليص واشنطن تدخلها او تواجدها العسكري المباشر في المنطقة المكلف جداً, وستلجأ الى زيادة الاعتماد على وكلاء إقليميين لا يشكلون اعباء مالية وعسكرية وسياسية واخلاقية عليها كما هو الحال مع ااسرائيل,

أما القضية الفلسطينية، فقد كانت تاريخيًا إحدى ساحات اختبار الهيمنة الأمريكية. ومع تآكل هذه الهيمنة، تبرز فرص (وإن كانت محدودة) لانتزاع ملف القضية الفلسطينية من سيطرة الولايات المتحدة التي تحتكره منذ عقود وتمنع اي كان من التدخل بجدية في اي من تفصيلاته، واتاحةهامش أوسع للتحرك السياسي والدبلوماسي للتعامل مع هذا الملف خارج الإطار الأمريكي.

يجب التبيه ان أن هذه الفرص لا تتحول تلقائيًا إلى انجازات، ما لم تقترن برؤية سياسية عربية موحدة، قادرة على استثمار التحولات الدولية بدل الاكتفاء بمراقبتها, فالنظام العالمي المرتقب لن يمنح امتيازاته مجانًا، بل سيكافئ من يوظف التحولات والمتغيرات الدولية الحالية لاستشراف المستقبل وقراءة موازين القوى الجديدة قراءة صحيحة والتنبؤ بخرائط النفوذ المستقبيلة,  ومن ثم يتموضع وفقاً لذلك في المكان الصحيح.

 

اخر الكلام:

وثيقة البنتاغون المسربة لا تتحدث فقط عن صواريخ وصراعات عسكرية، بل تكشف عن عالم يتغير ببطء ولكن بثبات, عالم لم تعد فيه القوة الأمريكية مطلقة، ولم تعد فيه القضايا العالقة، وعلى رأسها فلسطين، حكراً على قوة بعينها, او محكومة بسقف واحد, وان الدعم الامريكي اللامحدود لاسرائيل الذي هو ضمان بقائها بات استمراره غير مضمون, وهناك اصوات قوية ومسموعة داخل الولايات المتحدة باتت تطالب ليس بمراجعة هذا الدعم فحسب بل بإيقافه نهائياً, وهذا هو ما يسبب هستيريا داخل اسرائيل وفي اروقة اللوبيات المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة والتي تسابق الريح في تنظيم المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات واستصافة شخصيات عامة من الاجيال الغابرة التي كانت وما تزالتخصع لاملاءات هذه اللوبيات اما بالترغيب او الترهيب وتدعم اسرائيل بلا حدود وفي كل الاوقات وكافة الاحوال, ووفقاً للعديد من المصادر فقد عقدت هذه اللوبيات عشرات المؤتمرات خلال شهر فقط منها على سبيل المثال لا الحصر, المؤتمر العالمي للصندوق القومي اليهودي في فلوريدا الذي اختتم اعماله في 26 اكتوبر الماضي, تلاه في 28 اكتوبر مؤتمر الكونجرس اليهودي العالمي التاسع والثلاثون في القدس, ثم بعد 3 ايام كان مؤتمر التحالف اليهودي الجمهوري في لاس فيغاس بولاية نيفادا, وهناك ايضاً قمة الاعلام المسيحي في القدس في شهر نوفمبر الماضيوهذه القمة الى جانب 4 مؤتمرات مماثلة كلها عقدت في اسرائيل, وفي نوفمبر الماضي ايضاً انعقد مؤتمر ايباك في ميامي وكان سبقه لقاء اخر عقده ايباك في واشنطن في 27 اكتوبر, وهناك ايضاً مؤتمر الاتحادات اليهودية في امريكا الشمالية والذي قدم نحو مليار دولار لاسرائيل خلال العامين الماضيين, وهناك ايضاً مؤتمر القدس الذي عقد في  ميامي يوم8 ديسمبر الجاري, وكذلك المؤتمر الذي نظمته جريدة "اسرائيل اليوم" في نيويورك في الثاني من شهر ديسمبر الجاري ومن ابرز حضوره مريام اديلسون صاحبة الجريدة, وهيلاري كلينتون التي اتهمت جيل الشباب الامريكي (منسوبي الجامعات) بأنهم جهلة لا يعرفون حقيقة التاريخ, فكان ان تلقت طوفان من ردود الفعل التي اتسمت بالحدة واتهمامها بتلقي رشوة مقابل تصريحاتها الزائفة.

الهدف الرئيسي من كل هذه المؤتمرات هو تسويق السردية الاسرائيلية للراي العام الامريكي وشيطنة خصومها وكذلك منتقديها وخصوصاً من الشخصيات والنخب الامريكية امثال الاعلامي الامريكي الاشهر حالياً تاكر كارلسون, وزميلته كانديس اوينز والناشط الامريكي المؤثر نك فوينتز وعضوة الكونجرس مارجوري تايلور غرين وغيرهم.

كل المؤشرات تشير الى هذه المؤتمرات لن تجدي نفعاً, لانها ببساطة تسوق سردية ممجوجة انكشف زيفها وظهر وجهها القبيح الذي لن تنفع كل مساحيق التجميل في تغييره, القطار انطلق ولن توقفه كل هذه المحاولات المستميتة التي تعكس هستيريا وقلق بالغين في الوساط اليهودية والصهيونية بشان مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل والتي لن تكون كما كانت عليه طوال العقود الثمانية الماضية حسب كل المعطيات.

هذا لا يعني ان امريكا ستقطع علاقتها مع اسرائيل غداً, فهذه العلاقة ورائها لوبيات ضغط مرعبة حفرتها طوال عقود في الوجدان الامريكي, ولكن الراي العام الامريكي اكتشف خلال العامين الماضيين الوجه القبيح الحقيقي لاسرائيل فبدأ يدعو الى اعادة النظر في العلاقة معها, والنتائج السياسية المترتبة على هذا التغيير ستبدأ في الظهور على الارجح في الجيل القادم من صناع القرار الامريكي, لان الجيل الحالي كان (وما زال) تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة كما اشار بوضوح الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي سيكون على الارجح وفقاً للمتغيرات اخر رئيس امريكي مؤيد لاسرائيل بلا حدود.

 

د. سمير الددا

[email protected]

 

اثنين, 15/12/2025 - 09:02