حديث العسكر بين السبق الإعلامي والمخاوف الأمنية...

حين كنت طالبًا في الدراسات العليا بقسم التاريخ المونوغرافي، استوقفني موضوع الأرشيف العسكري وما يحيط به من مستويات عالية من السرية، رغم ما يكتنزه من معلومات بالغة الأهمية لفهم كثير من الأحداث والمحطات المفصلية في تاريخ الدول والجيوش. غير أن الاعتبارات الأمنية كانت، ولا تزال، تشكل عائقًا أمام ولوج المؤرخين إلى هذا الكنز المعرفي، خاصة أولئك المهتمين بالتاريخ العسكري والاستخباراتي.

وبحسب المختصين في هذا المجال، فإن رفع السرية عن الوثائق والأسرار العسكرية، سواء عبر الأرشيف المكتوب أو من خلال شهادات الضباط الذين عايشوا الأحداث، يخضع لفترات زمنية قد تتراوح بين ثلاثين وسبعين سنة، تبعًا لطبيعة المعلومات ومدى تأثيرها المحتمل على الأمن القومي أو على مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، أثار انتباهي حديث العقيد المتقاعد سيد محمد ولد الفايدة عن مرحلة لا يزال بعض صناعها يتبوؤون مواقع عسكرية وسياسية حساسة، من بينها رئاسة الجمهورية. فالتهافت على السبق الإعلامي، عندما يتعلق الأمر بملفات من هذا النوع، قد يتحول إلى مصدر خطر حقيقي، ليس فقط على أمن المعلومات العسكرية ،فحسب، بل كذلك على تماسك مؤسسة تعد من أكثر مؤسسات الدولة حساسية وحيوية.

لقد أصبحت الصورة العامة لتلك المرحلة أكثر وضوحًا بعد سلسلة المقابلات والشهادات التي أدلى بها ضباط وجنود شاركوا في أحداثها من رتب ومستويات مختلفة. غير أن حديث ولد الفايدة الأخير تجاوز حدود السرد التاريخي إلى الكشف عن معطيات بالغة الحساسية؛ بعضها يعكس، وفق ما ورد في شهادته، مواطن هشاشة يصعب تجاهل دلالاتها داخل المنظومة الاستعلامية والعسكرية، ويطرح تساؤلات جدية حول كيفية التعامل مع مؤشرات كان يفترض، وفق أبجديات العمل الاستخباراتي، أن تثير أعلى درجات الحذر والريبة.

أما الجانب الأكثر إثارة للانتباه، فيتعلق بالطريقة التي تم بها اعتقال ولد الفايدة. فالمسألة هنا لا تتعلق بالإجراء في حد ذاته، بقدر ما تتعلق بالفجوة بين الخطاب والممارسة، وهي فجوة قد تفرز وعيًا جديدًا لدى بعض المتابعين، بما يحمله ذلك من انعكاسات أمنية ونفسية ومؤسساتية يصعب تناول تفاصيلها في الفضاء الإعلامي المفتوح.

وتبقى الصورة التي رسمتها تلك الواقعة في مخيلة الضباط والجنود جديرة بالتأمل. فآليات الوصول إلى السلطة وممارستها داخل الدول لا تُترك عادة للروايات المتداولة أو للانطباعات العابرة، بل تُحاط بدرجات عالية من التحفظ والسرية، حمايةً لهيبة الدولة ومؤسساتها. ذلك أن تحويل هذه المسارات إلى مادة للفرجة أو إلى قصص بطولية مبالغ فيها قد يغذي ثقافة المغامرة السياسية، ويمنح الباحثين عن إثبات الذات فرصا وهمية  على صناعة التاريخ خارج الأطر القانونية والمؤسساتية.

ويزداد هذا الأمر حساسية في بلد لم يتحرر بالكامل، حتى اليوم، من إرث تمجيد الخروج على القانون وتقديمه أحيانًا في صورة البطولات الخالدة.

 

د. أمم ولد عبد الله

اثنين, 15/06/2026 - 22:10