رد على الشوفينيين…

في الحقيقة، انطلق كل شيء من خطاب الرئيس غزواني في كيهيدي، من خلال مقطع قال فيه، إن كل مكوّن من مكونات المجتمع قد ناله نصيب من المعاناة ومن مشكلاته مع الدولة، في إشارة إلى ملف “الإرث الإنساني”، وأنه ينبغي طيّ الصفحة. وقد كنت آنذاك الوحيد الذي تمايز عن هذا الطرح، أو على الأقل حاول التخفيف من حدته، لأن هذه الطريقة في عرض الأمور كانت تقارن بين ما لا يمكن مقارنته وتقلل، بحكم الأمر الواقع، من البعد الخطير للغاية لـ”الإرث الإنساني”.
وكانت تلك أول ثغرة فُتحت، وأتاحت لهذه المجموعة – بطلة الإنكار والاستعلاء – فرصة محاولة تمييع، بل وتبسيط ملف “الإرث الإنساني” في الآونة الأخيرة، باعتباره مجرد ظلم من بين مظالم أخرى.

فـ”الإرث الإنساني” كان جريمة دولة، وجريمة جماعية جرى التفكير فيها والتخطيط لها، بل كان، بكلمة واحدة، إبادة جماعية… وليس مجرد ظلم.

بعد هذه الثغرة الأولى، فتح الرئيس ثغرة ثانية أشعلت الشهية، حين ترك تتسرب إمكانية تقديم تعويضات مالية تُقدّر بعشرات المليارات من الأوقية. وإذا كان في البداية عدد محدود من العسكريين قد تحرك حول الموضوع، فإن هذا العرض الجديد أيقظ شهية شرسة. ومع معرفتنا بعلاقتنا الخاصة بالمال، فقد كانت هذه الأموال المنتظرة بمثابة الشرارة التي أطلقت “حمّى البحث عن الذهب” وجمعت الأنصار حولها. فبالنسبة لـ”الإنسان الموريتاني”، كما هو معروف، يبقى المال القيمة الأساسية التي تعلو على كل شيء.

كل ذلك مجتمعا دفع هذه المجموعة من الأشخاص ذوي النوايا الخبيثة، والمليئة بالشوفينيين، إلى محاولة تمييع، أو لنقل تبسيط، قضية “الإرث الإنساني” من خلال خلطها بقضايا أخرى بشكل تعسفي وسوء نية واضح.

وإذا كنا نقرّ بأن بعض الجماعات السياسية أو النقابية دخلت في صراعات مع هذا النظام أو ذاك في مرحلة من مراحل التاريخ، وتعرضت لأشكال مختلفة من القمع والعنف، فإنه لم يكن الأمر يتعلق أبداً بمحاولة “محو” جماعتها أو مجموعتها العرقية. فالقمع الذي طال الناصريين أو البعثيين أو حركة الكادحين أو بعض الانقلابيين أو حتى حركة الحر، لم يكن يهدف إلى القضاء الجسدي على القبائل أو على مجتمع البيظان أو الحراطين كجماعات قائمة بذاتها، ولم يكن هناك أي مخطط لتصفيتها.

أما في حالة “الإرث الإنساني”، فإن نية الدولة، المدعومة من تيارات سياسية متطرفة وعنصرية، كانت واضحة في التصفية الجسدية للفولان أساساً، وفي التطهير العرقي للأرض، على غرار ما جرى في رواندا.

والعنصر الجوهري الذي يميز بين هذه الانتهاكات و”الإرث الإنساني” هو الدافع الكامن وراء القمع: النية المبيتة، والتخطيط المسبق، والطابع الإبادي. وهو ما تؤكده، ضمنياً، المذكرة السرية لوزير الداخلية آنذاك غابرييل سيمبر، الموجهة إلى الإداريين في الولايات، والتي جاء فيها:

 

“يحاول الهالبولار زعزعة استقرار موريتانيا عبر التشكيك في عروبتها. والقاعدة الاجتماعية التي يتطور عليها هذا التوجه، المرتبط بالهيمنة السنغالية، هي التركيبة العرقية للسكان المحليين الذين يشكل الهالبولار أغلبيتهم. ومن خلال تغيير هذه التركيبة السكانية جذرياً، فإننا نحرم هذا التوجه من أي إمكانية للتطور مستقبلاً.”

انتهى الاقتباس.

 

 

إن النية هنا أوضح من أن تُخفى.

وبالمناسبة، فإن المنشور الذي أصدرته هذه المجموعة ذكر كل الحركات السياسية التي تعرضت للقمع والتعذيب حتى الموت، باستثناء واحد فقط: الفلاميون الذين قضوا في ولاته. أليس ذلك دالاً؟

ثم ماذا يمكن أن يقال عن أخلاقية مجموعة تتجرأ وتفتقر إلى اللياقة إلى حد استحضار “محاولة انقلاب 1962”، المعروفة بارتباطها بجهات خارجية ومعارضتها لاستقلال البلاد؟ أليس ذلك إهانة، أو على الأقل استفزازاً؟

كما يثير الاستغراب أن نجد قادة أحزاب منضوين في “قطب الـ15” ضمن الموقعين على هذه الوثيقة، في حين أن منصتنا المشتركة كانت قد حسمت هذه المسألة بوضوح: حل عادل ومنصف لملف الإرث الإنساني من خلال الواجبات الأربعة، إلى جانب جبر الضرر لجميع ضحايا الظلم وتعسف الدولة. فكيف يمكن الوثوق بشركاء ذوي مواقف متعددة الوجوه؟

وللعودة إلى ملف الإرث الإنساني، نذكّر في الختام بأنه يختلف بوضوح عن جميع الانتهاكات الأخرى المذكورة، وذلك من خلال:

- اتساع النطاق: حيث طالت الإعدامات خارج القانون والاغتصابات الجماعية والترحيل القسري والشطب الإداري والاستيلاء على الأراضي والممتلكات كامل منطقة الضفة.

- المدة الزمنية: من 1988 إلى 1991، بينما يرى البعض أن بدايتها تعود إلى 1986. ست سنوات طويلة من المعاناة، ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم وتمس عشرات الآلاف من الأشخاص.

- القسوة: من شنق، وتمزيق أجساد بين سيارتين، ودفن أحياء، وسحب أشخاص بالحبال وهم مقيدون من أعناقهم وأيديهم.

 

ولهذا نقول لأصحاب هذه الطروحات إن الخلط بين هذه الانتهاكات وبين ملف “الإرث الإنساني” يعكس قدراً كبيراً من التسرع وسوء النية.

وإذا كان من الضروري إنصاف جميع ضحايا الظلم وتعسف الدولة من أجل تهدئة النفوس وإرساء المصالحة، فإنه لا ينبغي الخلط بين الملفات المختلفة أو وضعها في خانة واحدة. يجب الفصل الواضح بينها.

وللدولة، إن شاءت، أن توسع دائرة التعويض والإنصاف من أجل تحقيق تهدئة شاملة، لكن دون خلط بين القضايا.

ففي هذه الجمهورية كثير من الشوفينيين والعنصريين الذين يتخفون وراء شعارات التقدمية، وكنا نتمنى أن نسمع أصوات الآخرين… الأصوات الحقيقية.

 

صمبا تيام

ثلاثاء, 16/06/2026 - 21:47