
“احتفظ بأكبر عدد من المنافقين إلى جوارك… ولكن إياك أن تتخذ منهم خليلاً أو مشيراً، لأنهم سيصبحون أكبر خطر يتهددك، وسيتحولون إلى ألد أعدائك إن تهاوى ملكك أو ظهر منافس قوي" لك. ميكيافيلي
********
في ظل صراع دولي محتدم وتحول عالمي في موازين القوى، وتبدل متسارع لمراكز النفوذ والتأثير.. وضمن محيط إقليمي مشتعل، تقف سفينة موريتانيا اليوم أمام مفترق طرق، يفرض على نخبتها التعقل وعدم المجازفة في الخيارات والتوجهات.
فبلدنا اليوم منهك ، بفعل سوء الحكامةوتحكم لوبيات الفساد، فهو بلا ثوابت توجه بوصلته، وبلا ربابنة ماهرين، يجنبونه مكامن الخطر وأخطاء وخطايا الماضي القريب والبعيد، بلد كل خياراته الملحة مؤجلة، والكل فيه ظالم ومظلوم في نفس الوقت، لا ترى فيه ما يعجبك ولا تسمع في خطابات ساسته ما يريحك.
نخبه تتصارع كالديكة.. ضجيجها بلا مفعول، وخياراتها بلا تأثير، لحمته الوطنية ممزقة ونتوءاته متوثبة، الموازين فيه مقلوبة والمسالك معوجة، جميع خياراته الحالية والسابقة لحظية المدى ذاتية الأهداف، لا ترى فيه إلا ما تنكر ولا تسمع من بعض "ساسته" سوى ضجيج الغوغائيين، الذين يرى بعضهم في الإساءة والتشنج نهجا سياسيا مفضلا، وآخرين نقيض له مستسلمين لأحلام اليقظة، يحولون الأمنيات إلى واقع ويرونفي التحديات الوجودية خيالات وأوهام.
بلد يتربص به المتربصون، السابقون واللاحقون، الذين فتحت شهيتهم خريطة الاكتشافات المعدنية والطاقوية فيه، والمغرية كما وكيفا، وكذلك الإمكانات الزراعية والرعوية الواعدة.. أغرتهم هشاشة لحمتهالوطنية وضعف ديمغرافيته وتشتتتجمعاته السكانية، تحاصره أزمات التنمية، وتداعيات الحكامة السيئة، وهشاشة البنى التحتية.. الشيء الذي حول بلدنا إلى جهة طاردة للكفاءات،.. شبابنا تتقاذفه المخاطر عبر العالم، بحثا عن فرص لحياة كريمة، حرم منها في وطنه، ووسائل عيش بخرها الفساد في "دولته"، تتحكم عصابات الفساد والنفوذ في مفاصل ومقدرات هذه الدولة المنكوبة، فحولت مرافق الدولة إلى ساحة يستأثر بها الجهلة والمنحرفون، وغيبت الكفاءات الوطنية، بفعل الزبونية السياسية وتبني خيار الولاء على حساب الكفاءة،فأصبح الوطن دولة بين النافذين وغنيمة لأصحب الشأن، لا حق لمواطن فيه، إلا بقدر ما يتكرم به أهل الحظوة وأصحاب النفوذ.
إننا في بلد ذاكرته مثقوبة ونخبته في الغالب مدجنة، فشل في خلق تنمية حقيقية، أو حكامة رشيدة، شعبه تنهشه الفاقة والتهميش، غالبيته تشعر بالدونية والتمزق الداخلي، الناتج عن التناقض بين القول والفعل وبين الواقع والطموح وبين نزعة الخير فيه ومرارة الإقصاء والتهميش.
لم ننجز لبلدنا عدالة تظلنا ولا صحة تداوي عللنا ولا تعليما متطورا يقلع ببلدنا ولا بنية تحتية، تخفف من معاناة شعبنا ولا مواطنة تتسع للجميع وتساوي بين الكل في الحقوق والواجبات.. فلا حصول على حق بدون تدخل صاحب نفوذ ولا ولوج لوظائف سامية إلا وفقا لقواعد القرابة والنفوذ.. قلة احتكرت كل شيء وغالبية لا تملك ضمانة تمكنها من الحصول على أي شيء.. فهل سنحمي وطنا ونبنيه من خلال واقع كهذا الذي نعيشه اليوم وعشناه بالأمس؟ أم أنه لا زالت هناك فسحة لتجاوز مرارات ومآسي الحاضر ومظالم الماضي؟
********
هناك حقيقة لا بد من إدراكها، والوقوف مليا عندها، تتمثل في طبيعة الأولويات التي يجب أن نعالجها قبل التدافع من أجل خرقدستور البلاد، بغية القضاء على أهم مكسب، ضمن للبلاد التداول السلمي على السلطة، لا لمصلحة ماثلة ولا لمميزات خارقة.
هذه الأولويات تتمثل في:
* أنه للحفاظ على بلد إسمه موريتانيا، لا بد من القطيعة الكلية مع أساليب الماضي وما هو سائد اليوم، فلم يعد مقبولا أن تبقى موريتانيا حقل تجارب لأي عسكري استبدل بزته بلبوس مدني، أو جاء خلسة على ظهر دبابة، أن يصبح بين عشية وضحاها، هو الآمر الناهي في البلد، وهو المسؤول فيه الأوحد عن تعقيدات وتشابكات وتداخلات المعضلات السياسية والتحولات الاجتماعية والملفات الاقتصادية والتشابكات الدولية والتعقيدات الأمية.. فقد جربنا بما فيه الكفاية ويقال إن من يجرب المجرب فعقله مخرب.
* استحالة بناء دولة عصرية على أسس قبلية وشرائحية وعرقية، بل وجميع مظاهر ما قبل الدولة، فهي جميعها مناقضة لمتطلبات بناء دولة عصرية، يحكمها القانون، ويتساوى فيها الجميع أمامه.. بلد لا يستأثر فيه جزء على بقية المواطنين بمزايا الدولة وفرصها المتعددة.
* الأخذ بالمعايير العلمية والتقنية لإدارة جميع مرافق الدولة والمحاربة الجدية للفساد وشبكاته المتغلغلة والمتغولة، وإخضاعها للقانون دون تمييز، وسن قوانين تمنع صعود أي مواطن في سلم الإدارة الموريتانية، إذا عرف باختلاس المال العام، أو التحريض العنصري، أو الفئوي، أو مارس تمييزا في التوظيف والتعيين، أو قام بممارسات مخلة بالمساواة في الفرص بين جميع المواطنين.
* إشراك الشعب وهيئاته المدنية فعليا في الرقابة على المرافق العامة، مع ضمان ألا تسود الغوغائية والشعبوية، واختيار نواب الشعب من بين الصفوة، وانتزاع التمثيل البرلماني من مخالب الفساد وأصحاب المصالح الذاتية، الذين لا يريدون من المقعد النيابي، سوى جواز سفر ديبلوماسي، لأغراض أضحت معروفة لدى الجميع.
*وضع سياسات متكاملة، انطلاقا من أن الوطن هو كل واحد، يتطلب تنمية، تخدم الساكنة والبلد، دون تمييز أو إقصاء، وجعل كل بقعة لأهلها "شام" على مستوى الخدمات والفرص- حسب المتاح.
* تحويل المرفق العام إلى حاضن للجميع، والموظف فيه خادما وليس أميرا أو محتكرا- كما هو الحال الآن- وعدم انجرار السلطة إلى الفضاءات التي يسعى أصحاب الأجندات الخاصة الفئوية والعرقية والقبلية إلى جرها إليها وأن تكون الدولة هي السيد لا المسود.
* خلق تحول يصبح فيه القوي والضعيف، خاضعان لسيف القانون، توفر فيه صحة حقيقية وتعليما مناسبا وأمنا يشمل الجميع وعدالة يأمن في ظلها المواطن من الظلم وسلب الحقوق.
* وضع حد لتهميش الشباب وتدوير المفسدين واستنساخ تجاربنا المدمرة، والبحث عن بديل، يجعل من الوطن حضنا دافئا وسندا يعول عليه في تلبية الحاجات، ودرعا قويا يقي الوطن والمواطن خلال الأزمات والملمات.
* الإعتراف بحقيقة مفادها أن الاستمرار في النهج والممارسات السياسية الحالية، هو ضرب من المستحيل، فلم يعد التسويف ولا التزوير ولا التسكين والمغالطة، وتهميش الغالبية وتغليب الولاء على الكفاءة، واستئثار القلة بريع وإمكاناه الدولة، نهجا مستساغا ولا أسلوبا متقبلا.
***********
أمام واقع كهذا أيهما أكثر إلحاحا وأولوية؟ هل هي مداواة جراح الماضي وتحديات الحاضر، وخلق مناخ، يحس فيه المواطن في أي جهة وأي مستوى بأنه في بلد يوفر له الكرامة والحقوق؟ وهل من الحصافة أن نترك بلدنا نهبا للصوص وشبكات الفساد، تنخره كالسوس، وننشغل عنه بتمجيد موظف لدى الشعب، هو: الرئيس نستجديه أن يبقى في السلطة، لا لكفاءة متميزة برهن عليها، ولا لحاجة ماسة تفرض بقاءه، وإنما تملقاورغبة في الحصول على فتات غير مضمون، حتى ولو كانت النتيجة خراب وطن واندثار دولة، هي "خيمتنا الكبيرة"، التي بها نستظل وفيها نحتمي من عاديات الزمان وطيش الطائشين، ننتظر منها توفير الأمن والتشغيل والصحة والتعليم وحفظ الكرامة على الأقل، اتجاه الآخرين، الذين سيقلبون لنا ظهر المجن إذا اضطربت أحوال دولتنا وغاب فيها الاستقرار لا قدر الله.. فمن لم يدرك مآلات نهجنا السابق والحالي، فلينظر إلى ما تكابده بلدان في المنطقة، عصفت بهم الحروب والاضطرابات والأزمات لنفس الأسباب السالفة وبفعل تجاهل المعضلات الوجودية والانشغال عنها بالقشور الثانوية.
**********
أما دعاة المأمورية الثالثة، فهم ضحايا لرغباتهم ونزواتهم الذاتية، لا تحركهم دوافع وطنية ولا معطيات موضوعية.
أين يقف اليوم أولئك الذين جمعوا ملايين التوقيعات لمطالبة الرئيس السابق: محمد ولد عبد العزيز بالبقاء في السلطة لمأمورية ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة؟ هل صدقواهم وكذبت العدالة الموريتانية أم العكس؟
مع من يقف اليوم من طالبوا بتتويجه ملكا على البلاد؟ وهل لازال المصفقون له واقفين بحزم معه اليوم وبارزين في صفه؟ وهل ناصروه في محنته الحالية؟
فالعاقل من اتعظ بغيره يا فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، فالدعوة الحالية لمأمورية ثالثة، هي خرق للدستور أولا ومشروع فتنة داخلية ثانيا، وتهديدا جديالكيان الدولة الموريتانية ثالثا، ونسفا لإنجاز الشعب الموريتاني الوحيد في مجال الديمقراطية والتبادل السلمي على السلطة، المتمثل في حصر بقاء الرؤساء في مناصبهم دستوريا لمرتين لا ثالثة لهما.
هذا ما قيل عن المتملقين وجوقة التصفيق
إن المنافقين يتزيّنون بعبارات التمجيد، ويتسابقون في تزيين أخطاء الحاكم وكأنها من أعاجيب الحكمة..
فالمنافق لا يعارض، بل يبارك، لا يصحح، بل يبرّر، لا ينصح، بل يهوّن كل خطأ ويعظّم كل هفوة. تراه يصفّق لأتفه قرار، ويجعل من العبث سياسة، ومن العشوائية حكمة، ومن الظلم ضرورة، ومن الجباية إصلاحًا! يختزل الولاء في تملق الأوامر، ويغزل من خيوط الكذب مجدًا زائفًا حول الحاكم.
إن الحاكم أو المسؤول الذي يحيط نفسه بالمنافقين يفقد بوصلة الواقع، ويغرق في سراب التصفيق والتمجيد، ليكتشف متأخرًا أن سلطانه كان مجرد بناء من رمل، وأن كل ما قيل له لم يكن سوى صدى لصوته، لا رأيًا نزيهًا ولا نقدًا مخلصًا. لهذا… فإن أعظم هدية قد يتلقاها القائد ليست المدائح، بل النصيحة الصادقة. وليست الكلمات المنمقة، بل الوقوف أمامه حين يخطئ، لا خلفه. فمن كان حولك دائم التصفيق، فاحذره ساعة السقوط… لأنه سيكون أول من يصفق لعدوك بعدك.
*********
إ ن أكبر نصيحة نقدمها لمن يهمه الأمر، هو: أن أعظم أعمال القائد العظيم هوإعداد قائد آخر عظيم يخلفه.. فالكفاءة- إن وجدت - لا يحتكرها شخص واحد..
أما التضحية ببلد بأكمله، فهي خسارة لمواطنيه وللجوار ولباقي البشرية الجمعاء، فدعوات البعض لمأمورية ثالثة، ما هي إلامخالفة دستورية تستحق العقاب وجناية على شعب وخراب لوطن، نحن جميعا في أمس الحاجة إلية في ظل عالم يموء بالحروب والأزمات، تتفكك فيه دول الجوار من حولنا وتهتز خلاله جميع البنيات الهشة التي اصطنعها المستعمر وكان ضامنا لبقائها، والذي صار اليوم يستجديضحاياه بالأمس لإنقاذه من مأساة الانهيار المدوي.
أما نحن في موريتانيا فقد عجزنا تاريخيا عن بناء دولة في ربوع بلدنا وتجرعنا جميعا مرارات السيبة، لذا يجب أن يكون احتضاننا لدولتنا أشد وأقوى، لأنها إذا هزلت أو تلاشت – لا سمح الله- قد لا نتمكن مستقبلا من إعادة بنائها.. وعندها يبقى أفضل الخيارات المحتملة لبلدنا، هي: أن يتكالب عليه جوارنا ويسلبنا كل شيء ونعيش في ظله مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، نعيش الدونية ونتجرع مرارة خسارة الأوطان.. وعندها سنفقد لا قدر الله كل شيء، ولن ينقذنا حينها تصفيق المصفقين ولا تزلف المتزلفين.
اللهم احفظ بلدنا من نفاق المنافقين وفساد الفاسدين.
محمد المختار ولد محمد فال- كاتب صحفي



.jpeg)

.jpeg)