آركين.. القصة المنسية لمستعمرة ألمانية على الساحل الموريتاني

قبل قيام ألمانيا الموحدة بنحو قرنين، وقبل أن تبدأ الإمبراطورية الألمانية توسعها الاستعماري المعروف في إفريقيا، كانت دولة ألمانية ناشئة قد وصلت بالفعل إلى الساحل الموريتاني، وسيطرت لعقود على جزيرة آركين.

في أكتوبر 1685 وصلت إلى الجزيرة فرقاطة تحمل اسم «الأسد الأحمر»، تابعة لناخب براندنبورغ، واستولى طاقمها على الحصن القائم هناك. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة استمرت قرابة 36 عامًا أصبحت خلالها آركين تابعة لبراندنبورغ، ثم لمملكة بروسيا بعد إعلانها سنة 1701.

 

 

لماذا آركين؟

 

لم تكن الجزيرة مهمة بسبب حجمها، بل بسبب موقعها.

فقد كانت تقع عند نقطة اتصال بين المحيط الأطلسي وطرق التجارة الصحراوية الممتدة نحو الداخل، خصوصًا في اتجاه وادان وبلاد السودان. وعبر هذه الشبكات كانت تصل إلى الساحل سلع مثل الصمغ العربي والذهب والملح وريش النعام، إضافة إلى العبيد في مراحل تاريخية سابقة.

وكان البرتغاليون أول قوة أوروبية تؤسس وجودًا دائمًا في آركين خلال القرن الخامس عشر، عندما أنشؤوا فيها مركزًا تجاريًا محصنًا.

ومع تراجع النفوذ البرتغالي، تحولت الجزيرة إلى موقع تتنافس عليه القوى البحرية الأوروبية.

سيطر عليها الهولنديون، ثم الإنجليز لفترة قصيرة، وعاد الهولنديون، ثم دخل الفرنسيون الصراع، قبل أن تظهر براندنبورغ في المشهد سنة 1685.

 

 

حلم بحري ألماني مبكر

 

كان فريدريش فيلهلم، ناخب براندنبورغ، يريد أن يمنح دولته مكانًا في التجارة العالمية، فدعم إنشاء شركة براندنبورغ الإفريقية التي سعت إلى بناء شبكة تجارية في غرب إفريقيا والأطلسي.

أنشأت الشركة مراكز على ساحل الذهب، في غانا الحالية، ثم اتجهت شمالًا إلى آركين.

وبعد احتلال الحصن، أبرمت السلطات الجديدة اتفاقات مع قوى محلية لضمان التجارة والوصول إلى الساحل.

ولم يكن المشروع «ألمانيًا» بالكامل من حيث التشغيل؛ إذ لعب الهولنديون دورًا كبيرًا في تمويله وإدارته، وكان عدد كبير من موظفي الشركة وقادتها من الهولنديين، بل إن جزءًا كبيرًا من وثائقها كتب باللغة الهولندية.

 

 

الصمغ العربي في قلب المنافسة

 

تركز النشاط الاقتصادي في آركين خلال الحقبة البراندنبورغية خصوصًا على الصمغ العربي والملح وريش النعام.

وكان الصمغ آنذاك مادة مطلوبة في أوروبا، وهو ما جعل الساحل الموريتاني ساحة منافسة بين الهولنديين والفرنسيين والإنجليز وغيرهم.

وتشير سجلات الشركة إلى أن بعض السفن حملت في نهاية القرن السابع عشر أكثر من مئة طن من الصمغ في الرحلة الواحدة.

أما الشركة البراندنبورغية نفسها فكانت جزءًا من منظومة التجارة الأطلسية الواسعة، بما فيها تجارة العبيد بين غرب إفريقيا والكاريبي. غير أن المصادر الخاصة بآركين في تلك المرحلة تبرز بالدرجة الأولى تجارة الصمغ والملح ومنتجات الصحراء.

 

 

نهاية قصيرة لمغامرة بعيدة

 

لم ينجح المشروع طويلًا.

فبراندنبورغ ثم بروسيا لم تمتلكا القوة البحرية والمالية اللازمة لمنافسة هولندا وفرنسا وإنجلترا. ومع مرور السنوات أصبحت المراكز الإفريقية مكلفة وضعيفة الاتصال بالدولة الأم.

وفي سنة 1721 وصلت قوة فرنسية إلى آركين وفرضت حصارًا على الحصن.

قاومت الحامية البروسية عدة أيام، لكنها اضطرت في ليلة 9 إلى 10 مارس 1721 إلى إخلاء الموقع.

وبذلك انتهت السيطرة البراندنبورغية-البروسية على آركين بعد نحو 36 عامًا.

لكن الصراع على الجزيرة لم يتوقف مباشرة. استعادها الهولنديون سنة 1722، ثم عاد الفرنسيون وسيطروا عليها من جديد سنة 1724، قبل أن يهدموا الحصن ويغادروا الجزيرة سنة 1728.

 

 

الأوروبيون لم يكونوا وحدهم في المشهد

 

رغم أن المصادر الأوروبية تقدم القصة غالبًا بوصفها صراعًا بين دول تتبادل السيطرة على آركين، فإن الوثائق المحلية تكشف صورة أكثر تعقيدًا.

فالقوى الأوروبية كانت تعتمد على الاتفاق مع السلطات المحلية التي تتحكم في التجارة البرية وفي الوصول إلى الساحل.

وتظهر مراسلات أمراء الترارزة في القرن الثامن عشر أنهم كانوا يدخلون في تحالفات مع الهولنديين والفرنسيين والإنجليز، ويستخدمون التنافس الأوروبي لخدمة مصالحهم السياسية والتجارية.

وهذا يعني أن السيطرة الأوروبية على الساحل لم تكن مطلقة، وأن القوى المحلية كانت طرفًا فاعلًا في المعادلة.

 

 

صفحة منسية من تاريخين

 

بعد أقل من قرن على نهاية الوجود البروسي، عادت آركين إلى التاريخ الأوروبي من باب آخر.

ففي يوليو 1816 جنحت الفرقاطة الفرنسية ميدوز على ضفة آركين، لتبدأ قصة الطوف الشهير التي خلدها الرسام تيودور جيريكو في واحدة من أشهر لوحات القرن التاسع عشر.

وهكذا جمعت الجزيرة الصغيرة بين قصتين كبيرتين: صراع القوى الأوروبية على التجارة الأطلسية، ثم كارثة الميدوز.

أما اليوم، فأصبحت المنطقة جزءًا من الحظيرة الوطنية لحوض آركين، واحدة من أهم المناطق الطبيعية المحمية في موريتانيا.

ويبقى الفصل البراندنبورغي من أكثر أجزاء تاريخها غرابة.

فقبل أن توجد ألمانيا الحديثة، وقبل الاستعمار الألماني لإفريقيا بزمن طويل، كان علم دولة ألمانية ناشئة يرفرف فوق حصن في جزيرة موريتانية.

قصة عمرها أكثر من ثلاثة قرون، تحفظ تفاصيلها اليوم أرشيفات برلين وأمستردام وباريس، لكنها تكاد تكون غائبة عن الذاكرة الموريتانية.

آركين لم تكن مجرد جزيرة نائية على الساحل، بل كانت ذات يوم نقطة صغيرة في صراع دولي امتد من أوروبا إلى إفريقيا والكاريبي.

 

 

 احمد الهادي

أربعاء, 04/11/2026 - 13:06