
تطرح تجربة الكاتب الراحل حبيب ولد محفوظ أسئلة قوية خصوصا في سياق النقاش حول اللغة، وحصرية العربية كلغة إدارة وتحصين حضاري، فهل كان حبيب ولد محفوظ مصابا بالاستلاب الحضاري لأنه كتب بالفرنسية؟ هل جعله استخدامه الحصري لهذه اللغة ضمن قائمة عملاء فرنسا، وهل كان فاقدا لجذوره وانتمائه؟ الجواب هو بالتاكيد لا.. لقد كان كاتبا وطنيا حقيقيا، وهو في نظر ي ونظر كل من قرأ و تملى كتاباته، أحلى وأجمل من كتب في السياسة والنقد الاجتماعي في هذا البلد، مع أنه كتب بالفرنسية! لكنه لم يفقد روحه الموريتانية، ولم يتخل عن ذاكرته الحضارية وثقافته الأصيلة، بل جعل من لغة اكتسبها وعاءً لإبداعه، وجسرًا يحمل من خلاله تفاصيل مجتمعه إلى قراء آخرين. إن تجربة حبيب ول محفوظ وحدها تكفي لتفنيد تلك المقولة التي تحصر الإبداع في اللغة الأم، أو تجعل التعلم و الكتابة بلغة أخرى شكلًا من أشكال الانسلاخ الحضاري ، فالإنسان لا يصبح أقل انتماءً إلى ثقافته حين يوسع لغاته، ولا تفقد الثقافة أصالتها حين تجد طريقها إلى لغات أخرى.
لقد علمنا التاريخ الموريتاني أن قضايا اللغة ليست مجرد خلافات حول لغة المراسلات أو لغة التعليم؛ إنها قضايا مصالح ، وهي بالتالي تمس المكانة والكرامة وموقع الإنسان داخل وطنه؛ وقد دفعنا ثمنًا باهظًا حين تحولت اللغة إلى ساحة للغلبة بدل أن تكون جسرًا للتواصل.
أطرح اليوم فكرة مبادرة وطنية للعدالة اللغوية، تتلخص بالاساس في العودة إلى الترسيم المزدوج للعربية والفرنسية، في إطار سياسة وطنية للتعدد اللغوي الوظيفي، لأن الاعتراف الشكلي باللغات الوطنية الأخرى لا يمنحها حضورًا لا في التعليم و لا في الإدارة ؛ فليس من العدالة أن نترك لغات شفهية بيئية، في مواجهة اللغة العربية التي هي لغة قوية وعتيدة، ثم نتركها في زحام غير متكافيء ، مكتفين بوصفها بأنها لغات وطنية، بينما في الواقع تحتكر لغة واحدة هي العربية وحدها أغلب مؤسسات الدولة ومفاتيح الترقي والفرص. إن ذلك يمثل نوعا من الإجحاف بمتحدثي هذه اللغات، و تذويب بطيء لهم، على طريقة الوخز بالإبر، لا ضربة واحدة حاسمة، بل وخزات متتابعة تنتزع من الإنسان شيئًا فشيئًا صلته بلغته وذاكرته ومكانته في المجال العام .
ثم إن العودة إلى الترسيم المزدوج ليست قفزة في المجهول، فقد عشناها في دستور 1968، وهو دستور وطني حقيقي و فيه توازن كبير، حين كانت العربية والفرنسية لغتين رسميتين، فلماذا لا نعيد فتح النقاش حول هذه التجربة، ونطورها بما يناسب موريتانيا اليوم.
إن الفرنسية هنا ليست بديلًا للعربية، ولا يمكن أن تكون ، وليس الهدف إعادة إنتاج امتيازات نخبة بعينها، فقد ماتت تلك النخبة وتلاشى ذلك الجيل ، جيل امتيازات الفرنسية، لكن الفرنسية ستظل لغة حياد في غرب إفريقيا التي تعج بالصراعات الاثنية وهي لغة عمل ومعرفة لكثير من أبناء الشعب من كل مكوناته، و أداة تواصل تتيح للموريتانيين فرصًا أوسع في محيطهم الإفريقي الحيوي فضلا عن داخلهم الوطني المتجافي.
إن هذه المبادرة يمكن أن تكون إطارًا مدنيا وفكريا مستقلا يفتح النقاش حول الترسيم المزدوج، ويقترح سياسة واضحة للتعدد اللغوي الوظيفي، ويعمل على حماية الذاكرة الثقافية والتعددية اللغوية لموريتانيا، ويحول دون عودة التوترات التي عرفتها البلاد في العقود الماضية



.jpeg)

.jpeg)