
دخل ملف الصحراء الغربية مرحلة جديدة من الغموض السياسي والأمني، مع بدء الأمم المتحدة إجراءات إنهاء بعثتها للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو»، عقب إخفاق مجلس الأمن الدولي في تجديد ولايتها بسبب الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول طبيعة التسوية السياسية للنزاع.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع استعداد الجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد جلسة يوم 10 نوفمبر الجاري لمناقشة استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، الذي كان يسعى إلى جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسًا وحيدًا للمفاوضات، وإعادة النظر في طبيعة البعثة الأممية ومهامها.
وبحسب الإجراءات الأممية، بدأت عملية تصفية مينورسو مطلع نوفمبر، بعد انتهاء تفويضها في 31 أكتوبر، على أن تتولى فرق مختصة الإشراف على سحب الأفراد والمعدات وإنهاء الالتزامات الإدارية واللوجستية للبعثة التي ظلت موجودة في الإقليم منذ سنة 1991.
ولا يعني بدء هذه الإجراءات اكتمال الانسحاب الميداني، إذ يتطلب إغلاق مواقع البعثة ونقل معداتها وترتيب مغادرة أفرادها فترة زمنية لم يُعلن رسميًا عن نهايتها.
وكان مجلس الأمن قد شهد، في 30 أكتوبر، مواجهة دبلوماسية بين واشنطن وموسكو، انتهت باستخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، رغم حصوله على تأييد 11 عضوًا، فيما أخفق مشروع روسي بديل لتمديد مهمة مينورسو سنة إضافية في الحصول على الأصوات اللازمة لاعتماده.
وأثار فشل المجلس في التوصل إلى قرار مخاوف بشأن مستقبل آليات مراقبة الوضع العسكري في الصحراء الغربية، خصوصًا في ظل استمرار التوتر بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ انهيار وقف إطلاق النار في نوفمبر 2020.
وفي تطور متصل، أفادت تقارير صحفية مغربية بأن رئيس بعثة مينورسو، ألكسندر إيفانكو، يجري اتصالات مع السلطات المغربية بشأن الترتيبات العملية وجدول انسحاب البعثة، دون صدور تأكيد أممي مستقل بشأن موعد نهائي لإنهاء وجودها الميداني.
ورغم انتهاء مهمة مينورسو، أكدت الأمم المتحدة استمرار جهودها السياسية للتوصل إلى تسوية للنزاع، من خلال الأمين العام أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.
وفي هذا السياق، يرتقب أن تناقش الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 10 نوفمبر، استخدام روسيا حق النقض في مجلس الأمن، في إطار الآلية التي تتيح للدول الأعضاء مناقشة حالات اللجوء إلى الفيتو. ولا تملك هذه الجلسة، في حد ذاتها، صلاحية إلغاء الفيتو أو اعتماد القرار الذي أسقطه.
أما على المستوى الإقليمي، فتثير التطورات الأخيرة تساؤلات بشأن انعكاسات غياب المراقبة الأممية على الدول المجاورة، وفي مقدمتها موريتانيا، التي ترتبط بمنطقة النزاع بحدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية مباشرة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المناطق الشمالية القريبة من نواذيبو ومعبر الكركرات، الذي يمثل محورًا رئيسيًا لحركة النقل التجاري بين المغرب وموريتانيا ودول غرب إفريقيا.
كما يعيد الوضع الجديد إلى الواجهة مسألة الحدود النهائية للصحراء الغربية، التي سبق أن اقترحت موريتانيا تشكيل لجنة لتوضيحها بصورة توافقية خلال المفاوضات التي جرت برعاية الأمم المتحدة في فبراير الماضي.
ورغم أن المقترح الموريتاني لم يشر صراحة إلى منطقة لكويرة، فإن موقعها المحاذي لمدينة نواذيبو يمنح أي ترتيبات حدودية مستقبلية أهمية خاصة بالنسبة إلى المصالح الأمنية والبحرية والاقتصادية لموريتانيا.
ولم تعلن نواكشوط حتى الآن عن إجراءات أمنية استثنائية مرتبطة بانتهاء مهمة مينورسو، كما لم يصدر موقف رسمي جديد بشأن مستقبل لكويرة أو تغيير الترتيبات الحدودية القائمة.
ويضع هذا الوضع موريتانيا أمام تحدي المحافظة على أمن حدودها الشمالية واستقرار المبادلات التجارية، مع مواصلة سياستها القائمة على الحياد الإيجابي والدعوة إلى تسوية سياسية توافقية للنزاع.
وفي انتظار اتضاح مستقبل العملية السياسية الأممية، تبقى التساؤلات قائمة بشأن قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على منع تحول الخلاف الدبلوماسي حول مينورسو إلى فراغ في آليات المراقبة الأمنية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الاستقرار في المنطقة، بما فيها الحدود الشمالية لموريتانيا.
مولاي سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)