
تعيش موريتانيا اليوم في محيط إقليمي مضطرب، وفي ظرف دولي غير آمن ومفتوح على احتمالات مجهولة، وهو ما يجعل الدول الهشة أكثر عرضة لتداعيات الأزمات. وموريتانيا، بحكم اعتمادها على استيراد حاجياتها، وهشاشة وضعها الاقتصادي والاجتماعي، وتراكم أزماتها الداخلية، تبدو أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى دولة قوية ومجتمع متماسك ونخبة سياسية قادرة على استشراف المستقبل. وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال عن دور الشباب في الحياة العامة وصناعة القرار سؤالا يتجاوز السياسة إلى مستقبل البلاد نفسه.
أين ذهب الشباب الذين كانوا ذات يوم في مقدمة النضال؟
كانت موريتانيا، قبل منتصف ثمانينيات القرن الماضي، تعيش حياة سياسية مختلفة تماما. كانت حركات التحرر الوطني والسياسي والفكري حاضرة بقوة، وكان الشباب في مقدمة المشهد. وكان الانتماء إلى حركة سياسية أو نقابية موقفا له ثمن، فقد كان السجن والنفي والطرد من الدراسة أو العمل من بين نتائج ذلك الانتماء.
كان الشباب يومها يدخلون السياسة وهم يعرفون أنهم قد يدفعون ثمن مواقفهم، ومع ذلك كانوا يقدمون عليها، مؤمنين بأن تغيير الواقع يستحق التضحية.
كانت السجون مليئة بالشباب على خلفية النضال السياسي، وكانت السياسة تعني التضحية والمواجهة والمطالبة بالتغيير، لا البحث عن المناصب أو المكاسب الشخصية.
ومنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بدأ ذلك العالم يختفي تدريجيا.
اختفت الحركات، وتراجع النضال الشبابي، وخفتت المعارضة الحقيقية التي كانت تركز على هموم المواطنين، لا على الوصول إلى السلطة. ولم تعد السجون تستقبل شبابا بسبب نشاطهم السياسي كما كان يحدث في السابق.
وبالمقابل، نشأ جيل جديد بعيد، في معظمه، عن السياسة، أو لا يرى فيها إلا طريقا إلى المناصب والمصالح الخاصة.
ثلاث فئات في المشهد السياسي
وحصيلة لهذا الواقع، يمكن تقسيم الطبقة السياسية الموريتانية اليوم، بصورة عامة، إلى ثلاث فئات.
فئة تقترب من الرئيس الحاكم وتمجده ما دام في السلطة، وترفعه فوق النقد، ثم تكون في مقدمة من ينقلبون عليه عندما يغادر السلطة.
وفئة ثانية تربّت على الوطنية والنضال وقدمت الكثير، لكنها اليوم إما فقدت بعض أفرادها بالرحيل، أو بلغ آخرون من العمر ما يجعل مواصلة النضال بالقوة نفسها أمرا صعبا.
أما الفئة الثالثة، وهي الأكبر، فهي أجيال ما بعد 1980. جيل كان يفترض أن يكون القوة السياسية الجديدة، لكنه انقسم بين من عزف عن السياسة، ومن اختار التقرب من السلطة بأي وسيلة بحثا عن المنفعة، ومن هاجر بحثا عن ظروف أفضل، ومن انجرف في مسارات اجتماعية وأخلاقية خطرة.
وهنا تكمن الكارثة.
بلد كامل فقد تقليدا سياسيا كان ينتج شبابا مستعدين للتضحية من أجل فكرة، ولم ينتج بدلا منه تقليدا جديدا قادرا على صناعة المستقبل.
والأخطر أن السلطة لم تكن وحدها مسؤولة عن ذلك، فالأحزاب والنخب والمجتمع نفسه شاركوا، بدرجات مختلفة، في إبعاد الشباب عن السياسة، وتحويل العمل العام من مجال للنضال وخدمة المجتمع إلى مجال للبحث عن المنافع والمواقع.
التغيير لا تصنعه النخب المترهلة
لكن التاريخ يعلمنا أن التغيير لا تصنعه النخب المترهلة، ولا المنتفعون من السلطة.
التغيير تصنعه الأجيال الجديدة عندما تؤمن بأن واقعها قابل للتغيير، وأن المشاركة في الشأن العام ليست امتيازا تمنحه السلطة، وإنما حق ومسؤولية.
وهذا ما حدث في موريتانيا نفسها في مراحلها الأولى، حين كان الشباب في قلب الحركات الوطنية والسياسية والنقابية.
وهو ما رأيناه حديثا في السنغال، حيث تمكن جيل جديد من الشباب من فرض نفسه في الحياة السياسية، بعدما أدرك أن الاكتفاء بالغضب والشكوى لا يغير شيئا.
موريتانيا اليوم بحاجة إلى ذلك الوعي.
لا تحتاج إلى شباب يصفق للحاكم، ولا إلى شباب يلعن السياسة ثم يهرب منها، ولا إلى شباب يرى مستقبله الوحيد في الهجرة.
ولا تحتاج إلى شباب يصبح المال همه الأول، أو ينزلق إلى الجريمة والمخدرات وغيرها من المسارات التي تهدد مستقبله ومستقبل المجتمع.
بل تحتاج إلى جيل جديد يدخل السياسة بعقل مختلف: لا يقدس الحاكم، ولا يبيع مواقفه، ولا ينتظر مقابلا لنضاله، ويؤمن بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن السلطة وظيفة مؤقتة وليست ملكا لأحد.
الخطر ليس في غياب المعارضة وحدها
إن الدولة التي لا تنتج نخبا سياسية جديدة لا تستطيع أن تنتج مستقبلا مشرقا.
وإذا استمرت موريتانيا في الاعتماد على نخبة تستمد قوتها من قربها من السلطة، أو على جيل أنهكه العمر، بينما يظل الشباب خارج الفعل العام، فإن المشكلة لن تكون في غياب المعارضة فقط.
المشكلة ستكون في غياب المستقبل نفسه.
لقد كانت السجون في موريتانيا بالأمس مليئة بشباب دفعوا ثمن مواقفهم.
أما اليوم، فقد اختفت السجون السياسية، لكن اختفى معها شيء أهم:
اختفى الشباب من السياسة.
وهذه ليست علامة استقرار، بل علامة على أن مجتمعا بأكمله فقد ثقته في قدرته على تغيير واقعه.
ولذلك فإن استعادة الشباب إلى الحياة العامة لا تكون بشعارات «تمكين الشباب» البراقة، إذا كان المقصود منها استدراجهم إلى السلطة وتحويلهم إلى أدوات لإعادة إنتاج الواقع نفسه.
موريتانيا تحتاج إلى شباب مستقل في رأيه وموقفه، لا يبيع قناعاته من أجل منصب، ولا يحتاج في الحصول على وظيفة أو منحة أو فرصة إلى وسيط، وإنما يصل إليها بالكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
موريتانيا تحتاجوإلى جيل يؤمن بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن السلطة وظيفة مؤقتة وليست ملكا لأحد، وأن المشاركة في الشأن العام حق ومسؤولية، لا بابا للمنافع الشخصية.
فإذا غاب الشباب عن صناعة القرار، تركوا مستقبلهم في أيدي من سبقهم، وإذا عادوا إليه من بوابة التملق والوساطة والمصلحة، فلن يكونوا سوى نسخة جديدة من واقع قديم.
أما إذا عادوا إليه من بوابة الوعي والاستقلال والكفاءة، فإن موريتانيا قد تستعيد شيئا فقدته منذ زمن:
الأمل في جيل يصنع المستقبل، لا جيل ينتظر أن يمنحه الآخرون مستقبلًا.



.jpeg)

.jpeg)