
عندما أورد الرئيس الفرنسي الحالي، من أعلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، كلمة "الخجل" وصفا لشعوره بما يحدث في فلسطين، وامتعض رئيس وزراء دولة الاحتلال فدعا -من أعلى نفس المنصة- من أسماهم ب-"الجبناء الأخلاقيين" إلى الالتحاق بالمنسحبين في وجهه، وردت وزيرة خارجية آيسلندا معرفة "الجبن الأخلاقي" بأنه "رفض التفاوض من أجل حل دائم وعادل"، قبل أن تضيف: "الجبناء الأخلاقيون هم الذين يمنعون وصول المساعدات الإنسانية إلى أناس في أمس الحاجة إليها، الجبناء الأخلاقيون هم الذين يدوسون على القانون الدولي…"، فاعلم أن نابضا نفسيا في المنظومة المركبة التي تضبط التمالؤ الأوروبي مع الاحتلال في فلسطين، قد أصبح خارج الخدمة.
عندما استعمل وزير الخارجية البريطاني الحالي "إد ميليباند"، خلال جلسة علنية للبرلمان في وينسمستر، عبارة "المستوطنون الإرهابيون في الضفة الغربية"، فاعلم أن وطن "بالفور" قد قرر مراجعة جذرية لخطابه الرسمي حيال القضية الفلسطينة.
عندما اتخذت الحكومة البريطانية قرارا رسميا باقتفاء أثر الحكومة الإسبانية عبر حظر استيراد المحاصيل الزراعية القادمة من المستعمرات في الضفة الغربية، فاعلم أن الأمر لم يعد مجرد مناورة خطابية لامتصاص تذمر شعبي عابر حيال الممارسات الإجرامية في فلسطين.
عندما قررت دولة الاحتلال إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشريف، فاعلم أن الجفاء بين الطرفين قد تصاعد بشكل ينذر بحدوث أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الحليفين التقليديين.
عندما حذت حكومات أوروبية عديدة، من ضمنها بريطانيا وفرنسا، حذو الحكومة الإسبانية وقررت الاعتراف رسميا بدولة فلسطين، فاعلم أن "الربيع الغربي" قد فرض معادلة جديدة (عبر سنفونية الحصون الفارغة في الشوارع) في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، جعلت النخب الغربية الحاكمة تراجع حساباتها الانتخابية بشكل استعجالي ودرامي.
عندما قررت حكومات كل من آيرلندا والنرويج وكندا وفرنسا والدانمارك وفينلاندا وآيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد اقتفاء أثر الحكومة الإسبانية، فحظرت استيراد المنتجات الزراعية القادمة من المستعمرات في الضفة الغربية، فاعلم أن مصالح دولة الاحتلال أصيبت في الصميم؛ فجل محاصيلها الزراعية يتم إنتاجها في هذه المستعمرات وجل مبادلاتها التجارية تتم مع شريكها الاقتصادي الأول، الاتحاد الأوروبي.
عندما تحرر إعلاميون أمريكيون لامعون من أغلال السردية الصهيونية و فرضوا لغة الحقائق التاريخية والوقائع الميدانية والخسائر المالية (الأمريكية) بخصوص فلسطين، تنويرا للشعب الأمريكي وللأوساط الجامعية بشكل خاص، فاعلم أن 70% من القوة التدميرية لدولة الاحتلال أصبحت في مهب الريح.
عندما نهض المشاركون في أكثر من مهرجان سينمائي غربي مرموق، وصفقوا أوقاتا قياسية إشادة بأعمال فنية -من قبيل "فلسطين 36” و"صوت هند رجب" و"نازا"- تفضح الممارسات الإبادية في غزة والتطهير العرقي في الضفة، فاعلم أن دعامة أساسية من دعائم السردية الصهيونية قد انهارت بالكامل.
عندما أبحرت أساطيل "فك الحصار" و"الحرية" و"الصمود" صوب قطاع غزة، مسلحة بالقناعات الإنسانية القوية لآلاف النشطاء السلميين القادمين من أرجاء المعمورة وعندما عاملتهم سلطات الاحتلال بعنف بدني ونفسي وحشي، فاعلم أن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" قد انكشف زيفها أمام أعين العالم، كل العالم.
عندما تم استهداف كل من السيدة "فرانسسكا آلبانيزي"، المقررة الخاصة بحقوق الإنسان في فلسطين، وقضاة المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية التصدي حقوقيا وقضائيا لجرائم الإبادة والتهجير في فلسطين، فاعلم أن السردية الغربية التقليدية حول "الأنوار" و"التيار الإنساني" و"إعلانات الحقوق الكونية" إلخ.، قد تعرضت لإعصار فكري مدمر.
أخيرا وليس آخرا، عندما رفع مبكرا وطن "نلسون مانديلا" البطاقة القانونية الحمراء في وجه الطغيان والإبادة الجماعية في غزة، عبر دعوى قضائية شجاعة أمام المحكمة الدولية، فاعلم أن التعتيم (الإعلامي والسياسي والقضائي) على سيل الجرائم في فلسطين منذ قرابة قرن من الزمن، قد توقف بالكامل وبشكل لا رجعة فيه.
لقد أخذ الشعب الفلسطيني بالأسباب عندما قاوم، قرابة قرن من الزمن وببسالة منقطعة النظير، آلة الحرب الصهيونية المدعومة بقوة من طرف "حلف شمال الأطلسي"، وتعامل بحكمة مع موج "الحساسيات" داخل صف داعميه الإقليميين، وانفتح على أحرار العالم بأريحية وشفافية؛ فكما تحرر شعب فيتنام وتحرر شعب جنوب إفريقيا، رغم الاختلال المفرط في ميزان القوة، سيتحرر الشعب الفلسطيني إن شاء الله، وبتحريره سينعتق العالم بأسره. فالقضية الفلسطينية لم تعد اليوم مجرد معضلة استعمارية ابتدعتها حركة صهيونية علمانية الجذور، على خلفية المآسي التي تعرض لها اليهود الأوروبيون على يد الأنظمة النازية، بل أصبحت محددا أخلاقيا كونيا يميز بين أنصار الحق والمتصامين عن الظلم ورعاة الباطل.
إسلك أحمد إزيد بيه



.jpeg)

.jpeg)