إسماعيل ولد الشيخ أحمد : السيرة والمسيرة

تبدو مسيرة ولد الشيخ أحمد أكثر إثارة للاهتمام من سيرته الرسمية  فقد تحولت تجربته الأممية الفاشلة في اليمن إلى رصيد من العلاقات والنفوذ،ثم تحولت هذه العلاقات إلى رصيد سياسي داخل موريتانيا، قبل أن تعود اليوم لتفتح له  باب أمانة منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة .ان هذه الزاوية هي التي تسمح بفهم مساره بعيداً عن الصورة التقليدية التي تقدمه باعتباره  مبعوثا أمميا سابقا لديه خبرة  في إدارة الأزمات الدولية، لأن  اوراقه الرابحة  لا تتعلق هنا بما أنجزه في المواقع التي شغلها، وإنما بما راكمه خلالها من علاقات مع مراكز القوة والنفوذ، وبقدرته على تحويل تلك العلاقات  الى مكاسب  والانتقال بها دوما من مرحلة إلى أخرى. ومن هذه الزاوية، يبدو ولد الشيخ أحمد نموذجاً لنوع من النخبة السياسية الموريتانية التي تجعل من التموقع داخل دوائر النفوذ وسيلة أساسية للصعود السياسي.

 

كانت مهمته في اليمن أهم محطة في بناء هذا الرصيد، فقد وصل إلى الملف باعتباره مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة، في حرب كانت السعودية والإمارات طرفين أساسيين فيها، لكنه لم يتمكن من تحقيق اختراق سياسي اوصيت دبلوماسي، بل انتهت مهمته بفشل ذريع وسط اتهامات حادة من الحوثيين له بالانحياز وعدم الحياد ورفضهم التعامل معه، غير  أن علاقاته وتحركاته ضمن الدائرة التي ضمت السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا جعلته قريباً من مراكز القرار التي كانت تدير بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جانباً مهماً من المشهد اليمني. وهنا تظهر المفارقة الأساسية، لم ينجح الرجل في المهمة لكنه نجح في شيء آخر؛ بناء شبكة من العلاقات السياسية والدبلوماسية ذات القيمة الكبيرة. فبالنسبة إلى رجل طموح، فإن معرفة المسؤولين في الرياض وأبوظبي وواشنطن ولندن، والقدرة على التحرك في هذه الدوائر، يمكن أن تتحول إلى رأسمال سياسي يتجاوز بكثير قيمة النجاح أو الفشل في مهمة أممية .

 

وعندما عاد إلى موريتانيا، لم تنتهِ قيمة تلك الشبكة بانتهاء مهمته الأممية، بل  على العكس، انتقل ولد الشيخ أحمد من المجال الدولي إلى قلب السلطة الوطنية، فتولى وزارة الخارجية ثم أصبح مديراً لديوان رئيس الجمهورية، وهكذا بدأت العلاقات التي راكمها في الخارج تؤدي وظيفة جديدة في الداخل. فالشخصية التي عادت من الأمم المتحدة وهي معروفة لدى عواصم مؤثرة أصبحت أكثر قيمة بالنسبة إلى السلطة الموريتانية، كما أن موقعها داخل الدولة منحها بدوره قدرة أكبر على الحفاظ على تلك العلاقات وتوسيعها؛ وهنا يمكن فهم أحد أهم ملامح النخبة الانتفاعية٫ كل منصب ليس غاية نهائية، بل منصة للمنصب الذي يليه؛ وكل علاقة مع مركز نفوذ يمكن تحويلها إلى ورقة في معركة الصعود. ولذلك لا يعود مهماً فقط ما إذا كان المسؤول قد نجح في مهمته السابقة، وإنما ما إذا كان قد خرج منها بشبكة علاقات تجعل منه شخصية مطلوبة في المرحلة التالية.

 

ومن هذه الزاوية يصبح انتخاب اخينا أميناً عاماً لمنظمة التعاون الإسلامي مفهوماً باعتباره نتيجة لتراكم طويل من العلاقات، فوق كونه دبلوماسيموريتاني وإفريقي، الأمر الذي يمنحه مسافة  نظرية من الهيمنة الخليجية المباشرة على المنظمة، لكنه في الوقت نفسه شخصية 'معروفة' في السعودية والإمارات بحكم تجربته السابقة، ومقبولة في الدوائر الغربية بحكم سنوات العمل الأممي، ولديه موقع سياسي سابق داخل الدولة الموريتانية، ويضاف إلى ذلك عامل ٱخر  قد يكون مهماً في التوازنات الجيو سياسية   الحالية وهو عدم وجود صلة سياسية  له بإيران، بل إن تجربته في اليمن جعلت الحوثيين حلفاء ايران  من أكثر الأطراف اعتراضاً عليه. وفي وقت تسعى فيه إيران إلى توسيع حضورها داخل العالم الإسلامي، والاستفادة من علاقاتها مع دول الجنوب العالمي ومن نرسم مكانتها في البريكس، فإن وجود شخصية على رأس منظمة التعاون الإسلامي غير محببة في  طهران، ولها في المقابل شبكة علاقات قوية مع السعودية والإمارات والغرب، يمكن أن تكون له دلالة تتجاوز مجرد اختيار شخص موريتاني للمنصب.

 

لذلك فإن صعود ولد الشيخ أحمد يطرح سؤالاً أوسع من شخصه: هل نحن أمام نموذج جديد للنخبة السياسية الموريتانية، تكون فيه العلاقات الدولية نفسها نوعاً من رأس المال السياسي؟ إن مساره يقدم مثالاً واضحاً على هذه الآلية، فمن الأمم المتحدة إلى اليمن، ومن اليمن إلى شبكة العلاقات الخليجية والغربية، ومن تلك الشبكة إلى وزارة الخارجية، ثم إلى قلب السلطة الموريتانية، وأخيراً إلى أمانة منظمة التعاون الإسلامي. وبهذا المعنى، فإن الفشل في حل أزمة اليمن لم يكن بالضرورة نهاية لمسيرته، بل تحول إلى محطة في مشروع صعود أكثر اتساعاً. فالنخبة الانتفاعية لا تقيس نجاحها فقط بقدرتها على حل المشكلات، وإنما بقدرتها على تحويل كل موقع إلى شبكة علاقات، وكل شبكة علاقات إلى نفوذ، وكل نفوذ إلى موقع أعلى. 

 

وإذا كان انتخاب ولد الشيخ أحمد على راس منظمة التعاون الاسلامي هو آخر حلقات هذا المسار حتى الآن، فإن السؤال الحقيقي ليس أين ستنتهي مسيرته، وإنما إلى أي مدى أصبح هذا النموذج نفسه طريقة من طرق صناعة الظهور في الساحة الدولية.

 

أحد, 30/08/2026 - 04:04