في الدفاع عن الشيعة: ردٌّ على من يتجاهل حقائق التاريخ

هاجم فضيلة الإمام  ولد حبيب الرحمن أمس في خطبة الجمعة  وبحدة  جمهورية إيران الإسلامية والشيعة ، وشبه الحوثيين بأصحاب الفيل،  ومدح المملكة العربية السعودية وأثنى على قادتها وعلى دورهم وخدماتهم الجليلة للاسلام  والمسلمين،  وهذا في نظري سطو على الحقيقة وعدوان على العقل، فنحن ندرك  أنه لم يتصدَّ أحدٌ في هذا العصر  لإسرائيل، عدوة الإسلام والمسلمين، مثل الشيعة، ولولا إيران الإسلامية الشيعية لكانت إسرائيل قد هدمت الأقصى وبنَت الهيكل  على انقاضه من سنوات. ومنذ عام 1979، عندما طبّعت مصر — بتشجيع من دول عربية سنية وازنة — قيَّض الله لقضية فلسطين أن ظهر   آية الله الخميني  فأغلق  سفارة إسرائيل في طهران التي كان الشاه - حليف الدول العربية ٱنذاك - يرعاها. وللعلم فقد  كان الشاه حاكما واسع النفوذ، مرهوب الجانب و كانت دول الخليج العربية ومصر  السادات متعاونة معه، ويزوره قادتها ويتلقون منه النصائح والارشادات ، كنا هو مسجل في شهادات المختصين وأرشيف الإعلام.

 

 

ومنذ قيام إسرائيل عام 1948، كانت الأنظمة العربية القائمة ٱنذاك  هي التي أعلنت الحرب ، لكنها هي أيضًا التي حصدت الهزائم تلو الهزائم. لم تكن إيران الإسلامية الثورية قد وُلدت بعد، لكن  المشهد تغير بعد ذالك،  ففي سنة 1979 أصبحت إيران  الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي  التي جعلت معاداة إسرائيل جزءًا من عقيدتها السياسية، لا مجرد خطاب في الاعلام او دعاء  في المنابر  كما هو حال الدول العربية في أحسن حالاتها، لقد أغلق الخميني سفارة إسرائيل، وحوّل مقرها إلى سفارة لفلسطين. وأسّس فيلق القدس جهارا وهذا وحده كاف كإعلان حرب،  وجعل للقدس يوما ليكون مناسبة سنوية يُرفع فيها شعار تحرير فلسطين. وقدمت إيران الدعم المالي والعسكري واللوجستي لحركات المقاومة، من حزب الله إلى حماس، والجهاد الإسلامي. وليس هذا ادعاءً إيرانيًا فحسب؛ فقادة المقاومة الفلسطينية  وشهداؤها أنفسهم أشادوا مرارًا بالدعم الإيراني.

 

 

وفي المقابل، ماذا فعلت الأنظمة العربية؟ لقد وقّعت مصر السادات معاهدة كامب ديفيد عام 1979، فكانت أول دولة عربية تعترف بإسرائيل وتتبادل معها السفراء. وفتحت دول الخليج أسواقها ومطاراتها للقوات الأمريكية التي تحمي إسرائيل. واستضافت السعودية وغيرها القواعد العسكرية الأمريكية. ثم   ظهرت صفقة القرن ثم جاءت اتفاقيات أبراهام لتُطبّيع العلاقات علنًا مع إسرائيل والتي هي بمثابة  ايديولوجيا مشروع اسرائيل الكبرى، التي لم يتصد لكبح جماحها  سوى  إيران. فأي الفريقين أحق بالثناء والمدح على المنابر ؟ من الذي دافع عن الأقصى فعليًا؟ هل هو من وقّع الاتفاقيات، أم من أطلق الصواريخ؟ هل هو من استقبل القادة الإسرائيليين في العواصم ، أم من بنى أنفاق المقاومة في غزة؟

 

 

ولا أدري إن كان فضيلة الإمام  الذي قال إنه يعرف كل شيء عن الشيعة ، يعرف أيضا أن التضحية والشهادة تمثل قيمة سامية عند الشيعة. ،ومع أن إيران  لا ترفع إلا شعار الإسلام ، الا أن المورخين في الغرب والشرق مجمعون على أن ما يبهر في تاريخ  هذا البلد هو  الحضارة الفارسية الضاربة في عمق التاريخ، فما يُسمّى بالعمارة والفلك والطب والترجمة والحساب وكل ما دأب العرب على تسميته "الحضارة العربية الإسلامية" هو في الحقيقة إما حضارة فارسية أو تركية، لأن العرب بلا حضارة مادية،  فبدون الإسلام ليس هناك شيء يُذكر. ولكن عندما امتزج الإسلام بالخبرات والمعارف الفارسية والتركية، وُلد هذا المجد العظيم الذي يُسمّى مجازًا "الحضارة العربية الإسلامية"، مع  أن المثقفين الأتراك والايرانيين وغيرهم يقولون  إن كلمة "عربية" هنا متعسفة، ولا يقولون ذلك فقط، بل يقولون إن أسوأ من دافع عن الأقصى هم العرب، وأقل من ضحّى من أجله هم العرب، وهم الذين تواطؤوا ضد الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى.

 

لقد كان العرب قبل الإسلام كما يعلم كل أحد وكما هو موثق بشكل دقيق في خطبة جعفر ابن ابي طالب امام النجاشي قبائل متناحرة، لا دولة ولا إمبراطورية ولا مؤسسات. وجاء الإسلام فوحّدهم، لكنه لم يمنحهم فورًا حضارة. الحضارة تُبنى بالتراكم،  فبالفارسية دُوّنت الدولة الأمية و العباسية، وبالترجمة نُقلت العلوم اليونانية، وبالفارسية والتركية أُديرت الجيوش والدواوين.. ابن سينا فارسي. الخوارزمي فارسي. البيروني فارسي. الرازي فارسي. فما يُسمّى "الحضارة العربية الإسلامية" هو في جوهره حضارة مزيجة، والعنصر العربي فيها محدود مقارنةً بالفارسي والتركي.

 

 

ان من يهاجم ايران اليوم تحت شعار المذهبية انما يكرر نفس الخطأ الذي  ارتكبه اولائك الذين هاجموا الخلافة العثمانية بتشجيع من ابريطانيا  تحت شعار التحرر من الاستعمار التركي  حين قام ما سمي بالثورة العربية عام 1916. ففي ظرف عصيب عندما كانت الدولة العثمانية تحارب في الخطوط الأخيرة في الحرب العالمية الأولى، تحالف الشريف حسين الحجازي مع بريطانيا وفرنسا ضد الخليفة العثماني. وجهز جيشا عربيا بتمويل ابريطاني تحت قيادة  لورانس العرب الشهير الذي لم يكن سوى ضابط بريطاني استغل النزعة القبلية العربية لتفتيت الجبهة الشرقية للدولة العثمانية.

 

 فمن الذي "تواطأ " ضد  القدس ٱنذاك  أيضا ومن الذي دافع عنها حتى آخر طلقة؟ العثمانيون، الذين سقط منهم عشرات الآلاف في سيناء وفلسطين وهم يقاتلون البريطانيين. أم العرب الذي صدقوا  وعود ابريطانيا فطعنوا الاتراك من الخلف أي من الجبهة الشرقية .

 

إن من يهاجم الشيعة اليوم ويتجاهل دورهم في مقاومة إسرائيل، إنما يكرر نفس الخطأ حتى لا نقول الخيانة التي وقعت أثناء الحرب العالمية الأولى والتي لم يجني منها العرب سوى تمزيقهم  إربا وتحويلهم الى دويلات مجهرية  لا تستطيع الدفاع عن نفسها تنفيذا  لأهداف ما عرف لاحقا باتفاقية  سايز بيكو. 

 

ان هناك  حقيقة   لا يمكن إنكارها اليوم وهي أن الشيعة قدّموا التضحيات، وإيران دفعت الثمن غاليا، اغتيالات لخيرة قادتها ومرشديها وعلمائها و عقوبات اقتصادية وحصار، وتتبع، وترصد ومراقبة،  وتهديد،  وتاليب وتحريض عليها ..ولكنها ستنجو وستنتصر بإذن الله.

أحد, 20/09/2026 - 12:40