بشأن تقرير المفتشية العامة للدولة: الرهان الحقيقي يبدأ بعد التقرير…

يمثل نشر تقرير المفتشية العامة للدولة، من نواحٍ عديدة، خطوة إيجابية. فهو يشكل تقدماً نحو مزيد من الشفافية، ويتيح للمواطن الاطلاع على ما تقوم به أجهزة الرقابة، وما تكشف عنه، وبصفة خاصة حجم الاختلالات التي قد تشوب تسيير الموارد العمومية.

كما ينبغي الاعتراف للتقرير بقدر من الصرامة؛ إذ يعرض الأنشطة وعمليات الرقابة والأرقام والملاحظات، دون أن يحوّل استنتاجات المفتشين إلى إدانات نهائية. وهذا أمر طبيعي، فالمفتشية العامة للدولة تراقب وتحقق وتعاين، لكنها ليست جهة قضائية جنائية، ولا يمكنها أن تحل محل القاضي في إثبات الإدانة. لكن لهذا السبب تحديداً، لا ينبغي اعتبار التقرير محطة نهائية، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لمرحلة أكثر أهمية بكثير: مرحلة المساءلة.

وهنا يصبح السؤال الأساسي: ماذا يحدث بعد نشر التقرير؟

إن رصد مخالفة، أو اكتشاف ضرر مالي، أو تسجيل مدفوعات مشبوهة، أو صفقات أُسندت في ظروف مريبة، أو وقائع قد تشكل جريمة، لا يمثل سوى الجزء الأول من العمل. أما السؤال الحقيقي فهو: من يقرر أن هذه المعاينات يجب أن تنتقل من دائرة الرقابة الإدارية إلى دائرة القضاء؟ ووفق أي معايير؟ وبأي ضمانات؟ وبأي قدر من إمكانية تتبع مسار الملف؟

فالمواطن لا يسأل فقط: «ماذا اكتشفتم؟»، بل يسأل أيضاً: «ماذا ستفعلون بما اكتشفتم؟»

وهنا يكمن الرهان الحقيقي.

يكثر الحديث عن استقلال القضاء واستقلال القاضي والفصل بين السلطات. لكن في قضايا الفساد والاختلاس وتبديد المال العام، قد تبدأ المشكلة قبل أن يصل الملف أصلاً إلى القاضي، لأن القاضي لا يستطيع النظر إلا في القضايا التي تُحال إليه.

ومن هنا يطرح سؤال بديهي: من يقرر أن قضية ما يجب أن تصل إلى القاضي؟

في نظامنا، تتولى النيابة العامة ممارسة الدعوى العمومية، ولذلك تمثل حلقة أساسية في الانتقال من معاينة الجريمة إلى معالجتها قضائياً. غير أنها منظمة وفق تسلسل هرمي تربطه علاقة مؤسسية بالسلطة التنفيذية. وينص قانون الإجراءات الجنائية، على وجه الخصوص، على أن وزير العدل يشرف على السياسة الجنائية، ويمكنه أن يأمر، كتابةً، المدعي العام لدى المحكمة العليا بتحريك الدعوى.

وهذا المقتضى قانوني، وبالتالي فالأمر لا يتعلق بالتنديد بممارسة سرية أو بافتراض تدخل لا سند له في النصوص. لكن قانونية آلية ما لا تعفي من التساؤل عن مدى ملاءمتها لمتطلبات دولة قانون حقيقية.

وفي سياق لا يزال فيه الفصل بين السلطات هشاً، إن لم نقل إنه ما زال افتراضياً إلى حد بعيد، وحيث يمكن للمؤسسات أن تظل عرضة لموازين القوى، فمن المشروع التساؤل عما إذا كان انتقال ملف فساد إلى القضاء ينبغي أن يظل جزءاً من سلسلة مؤسسية شديدة الارتباط بالسلطة التنفيذية.

لنأخذ مثالاً بسيطاً: تكتشف بعثة تفتيش أن هيئة عمومية تكبدت خسارة قدرها 100 مليون أوقية. وتظهر مدفوعات وهمية، ووثائق محاسبية مشكوك فيها، وصفقات أُسندت في ظروف غير قانونية. توثق المفتشية العمليات، وتحدد حجم الضرر، وتعد تقريرها.

 

ولكن ماذا بعد ذلك؟

 

في هذه اللحظة تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لدولة تعلن أنها تحارب تبديد المال العام. فإذا كشف التقرير مجرد مخالفة إدارية، يمكن النظر في عقوبة إدارية. وإذا أظهر مسؤولية مالية تدخل ضمن اختصاص محكمة الحسابات، فيجب تمكين هذه المحكمة من أداء دورها كاملاً. أما إذا كانت الوقائع تحمل سمات اختلاس أو احتيال أو جريمة جنائية أخرى، فيجب أن يصل الملف فعلياً إلى السلطة القضائية المختصة.

ولا يمكن أن تظل هذه المرحلة محاطة بالغموض. فهناك خطر أشد من غياب الرقابة، وهو: رقابة بلا نتائج.

إن نظاماً تتراكم فيه التقارير، وتُرصد الاختلالات، وتُحدد المبالغ بالأرقام، ثم تختفي الملفات من دائرة الاهتمام، ليس نظاماً فعالاً لمكافحة الفساد، بل هو نظام للمعاينة دون مساءلة، ينتهي به الأمر إلى تغذية الإفلات من العقاب.

لذلك، لا تقتصر الشفافية على نشر الاختلالات، بل يجب أن تجعل مسار الملف بعد اكتشافها مرئياً أيضاً: من تسلمه؟ ومن درسه؟ وفي أي تاريخ؟ وهل أُحيل؟ وإلى أي جهة؟ ولأي أسباب؟ وما المآل الذي انتهى إليه؟

وإذا لم تُحرك المتابعة القضائية، فينبغي أن يكون من الممكن معرفة الأسباب. وإذا فُتح مسار قضائي، فينبغي أن يكون وجوده، وفي الحدود التي يسمح بها القانون وسرية التحقيق، وتطوراته، قابلاً للمعرفة.

وتشكل إمكانية تتبع هذا المسار مطلباً أساسياً من مطالب المساءلة العمومية، وأحد أفضل المؤشرات على جدية سياسة مكافحة الفساد.

ولهذا السبب، تستحق آلية إحالة الملفات إعادة النظر.

ينبغي أن تواصل المفتشية العامة للدولة القيام بما تجيده: الرقابة والتفتيش والتحقيق وإثبات الوقائع وتوثيق الاختلالات. لكن عندما يكشف تقرير عن وقائع مالية تبلغ من الخطورة مستوى كافياً لترتيب المسؤولية، ينبغي أن يكون من الممكن إحالة الملف بصورة منهجية إلى محكمة الحسابات. وتتولى المحكمة دراسته في نطاق اختصاصاتها المالية والقضائية، وعندما تتضمن الوقائع مؤشرات جدية على وجود جريمة جنائية، يمكنها، وفق معايير يحددها القانون، إحالة الملف إلى السلطة القضائية المختصة.

ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بتحويل محكمة الحسابات إلى محكمة جنائية. فهي لن تصدر عقوبات جنائية ولن تحل محل القاضي، وإنما يتعلق الأمر بإنشاء حلقة مؤسسية حقيقية بين الرقابة الإدارية والقضاء، بحيث لا يتوقف انتقال الملف على اعتبارات سياسية أو موازين قوى أو المكانة الاجتماعية للشخص المعني.

فعندما يبلغ ملف درجة معينة من الخطورة ويتضمن مؤشرات جدية على ارتكاب جريمة، يجب أن تكون القواعد واحدة بالنسبة للجميع: موظفاً عادياً كان، أو مسؤولاً إدارياً، أو وزيراً سابقاً، أو مسؤولاً سامياً في منصبه.

المعايير نفسها، والإجراءات نفسها، والالتزام نفسه بالتعليل، وإمكانية التتبع نفسها.

وينبغي ألا يكون السؤال بعد الآن: «من هو الشخص المعني؟»، بل: «ماذا تقول الوقائع وماذا ينص عليه القانون؟»

إن تجريد العملية من الاعتبارات الشخصية أمر لا غنى عنه للخروج تدريجياً من القيد الاجتماعي والسياسي الذي لا يزال يثقل كاهل العمل العمومي. وما دامت صرامة القانون تبدو متفاوتة بحسب نفوذ الشخص المعني أو علاقاته أو تأثيره، فسيكون من الصعب إقناع المواطنين بأن مكافحة تبديد المال العام تقوم على قواعد محايدة فعلاً.

لكن فعالية إحالة الملفات لن تكون كافية إذا لم يمتلك القضاء نفسه الكفاءات الضرورية لمعالجتها.

فالاختلاس من الأموال العمومية، والاحتيال، والصفقات العمومية غير القانونية، والشركات الوهمية، وغسل الأموال، والترتيبات المالية والتلاعبات المحاسبية، ليست قضايا جنائية عادية. فهي غالباً ملفات ضخمة وتقنية، وتقوم على آليات يتطلب فهمها أكثر من مجرد القراءة القانونية للوقائع.

وقد يكون القاضي متمكناً تماماً من القانون الجنائي والإجراءات، لكنه يجد نفسه أمام عمليات محاسبية أو مصرفية أو ميزانوية أو ضريبية يتطلب فهمها معارف متخصصة.

وتظل الكفاءة القانونية ضرورية، لكنها لم تعد كافية بمفردها.

لذلك، يجب أن يصبح التكوين المستمر للقضاة عنصراً محورياً في مكافحة الفساد والاعتداء على الأموال العمومية. وينبغي أن يستفيد قضاة التحقيق وأعضاء النيابة والقضاة المكلفون بالنظر في هذه الملفات من دورات تكوينية منتظمة في المالية العامة، والمحاسبة، والصفقات العمومية، والتدقيق، والضرائب، وتتبع التدفقات المالية، وغسل الأموال، وقانون الشركات، وتقنيات التحقيق المالي.

وينبغي أن يكون هذا التكوين مستمراً، لأن أساليب الاحتيال والإخفاء تتطور بدورها. فتعقيد الجريمة المالية يفرض توفير وسائل وكفاءات بمستوى ذلك التعقيد.

وعلى المدى البعيد، يمكن كذلك التفكير في تخصص قضائي حقيقي. ففي مرحلة أولى، يمكن تكوين عدد من القضاة بشكل متخصص وتكليفهم بملفات الجرائم المالية والاعتداء على الأموال العمومية. وبعد ذلك، عندما يبرر حجم القضايا وتعقيدها الأمر، يمكن إنشاء غرف متخصصة داخل المحاكم المختصة.

ولا يتعلق الأمر بإنشاء قضاء استثنائي، بل بتعزيز ضمانات قضاء كفء وفعال. فالتخصص لا يعني حقوقاً أقل للمتابعين، وإنما يعني كفاءة أكبر لدى من يتعين عليهم تقييم الأدلة وفهم الآليات المالية.

كما يمكن تعزيز هذا التنظيم بوضع مساعدين متخصصين وخبراء ماليين ومحللين مستقلين تحت تصرف القضاء، دون أن يحلوا في أي حال محل القضاة.

وبالتالي، لا يمكن لسلسلة مكافحة الفساد أن تتوقف عند اكتشاف المخالفة، ولا حتى عند إحالة الملف، بل يجب أن تمتد إلى امتلاك القضاء القدرة الفعلية على فهم القضية والتحقيق فيها والحكم بشأنها.

استقلال القاضي ضمانة أساسية، وكفاءته الفنية ضمانة أخرى. ويجب أن يسيرا معاً.

غير أن هذا الإصلاح يستدعي مطلباً إضافياً، يتعلق باختيار المسؤولين الذين يتولون إدارة هذه المؤسسات.

فلا يكفي أي إصلاح إجرائي إذا لم يتم اختيار الأشخاص الذين يوضعون على رأس هذه المؤسسات، في المقام الأول، على أساس الكفاءة والنزاهة.

إن المفتشية العامة للدولة ومحكمة الحسابات ليستا إدارتين عاديتين، بل ترتبطان مباشرة بمصداقية الدولة. ولذلك ينبغي اختيار المسؤولين عنهما وفق معايير دقيقة يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام: التكوين والخبرة الملائمان للمهام، والإلمام بالمالية العامة وإجراءات الصفقات، والخبرة المثبتة في التدقيق أو الرقابة أو القضاء أو التسيير العمومي، والاستقلال عن المصالح محل الرقابة، والسمعة الراسخة في الكفاءة والاستقامة والنزاهة.

ويجب الخروج من منطق التعيينات القائمة على المجاملة. فلا يمكن أن تُدار مؤسسة مكلفة بمراقبة من يتولون تسيير المال العام من طرف شخص تكون ميزته الأساسية قربه ممن يفترض أن يراقبهم. يجب أن تصبح الكفاءة معياراً للتعيين، والنزاهة شرطاً، والاستقلال مطلباً حقيقياً.

ولا يمكن مطالبة المؤسسات بمحاربة تبديد المال العام، مع الاستمرار في إخضاعها لمنطق القرب والولاء أو المكافأة السياسية. فثمة تناقض جوهري هنا ينبغي امتلاك الشجاعة لمواجهته.

وكل ذلك يعيدنا إلى السؤال الأول: ماذا يصبح التقرير بعد نشره؟

إن نشر تقرير المفتشية العامة للدولة خطوة نحو الشفافية، لكنه يجب ألا يكون، بأي حال، نقطة النهاية. فالدولة الجادة لا تكتفي بالمعاينة، وإنما تحدد المسؤوليات في إطار احترام القانون، وتسترجع الأموال العمومية متى كان ذلك ممكناً قانوناً، وتعاقب أخطاء التسيير، وعندما تكون الوقائع قابلة للتكييف كجرائم جنائية، تضمن إمكانية إحالتها إلى القضاء وفق مسطرة واضحة وقابلة للتتبع ومستقلة عن الاعتبارات الخارجة عن القانون.

ولا تعني مكافحة الإفلات من العقاب مجرد تشديد العقوبات، بل تعني بناء نظام لا يمكن فيه لجريمة موثقة بما يكفي أن تختفي بين مؤسستين. ويتطلب ذلك إجراءات واضحة، ومعايير موضوعية، وإحالة قابلة للتتبع، ومحكمة حسابات تتمتع باستقلال كافٍ، ونيابة عامة قادرة على ممارسة مهامها في إطار قانوني آمن، وقضاة يتلقون تكويناً مستمراً، وعندما يبرر تعقيد الملفات ذلك، هياكل قضائية متخصصة.

والأهم من ذلك كله، أن يتولى المسؤوليات أشخاص يُعيّنون على أساس كفاءتهم وخبرتهم ونزاهتهم، لا على أساس قربهم السياسي أو أي نوع آخر من القرب.

فمكافحة تبديد المال العام لا يمكن أن تظل مجرد تمرين اتصالي أو ما يسمى بتحقيق التوازن السياسي. ولا يمكن مكافحة الإفلات من العقاب بمجرد نشر التقارير. كما لا يمكن استعادة ثقة المواطن عبر الإعلان بانتظام عن عمليات رقابة جديدة، إذا لم ير بوضوح ما تؤول إليه أخطر الملفات.

وسيأتي الانتصار الحقيقي على تبديد المال العام يوم لا يعود فيه ممكناً أن يظل تقرير جاد بلا متابعة، لمجرد أنه مزعج، أو يمس مصالح نافذة، أو يتعلق بأشخاص يتمتعون بما يكفي من النفوذ لجعل النظام يتردد في الذهاب بالملف إلى نهايته.

وعندها فقط يمكننا الانتقال من ثقافة المعاينة إلى ثقافة المساءلة، ومن التنديد بالإفلات من العقاب إلى التصدي الفعلي له.

وفي جوهر الأمر، لم يعد السؤال فقط: من يراقب؟ بل أصبح السؤال: عندما تكشف الرقابة أمراً خطيراً، هل تمتلك الدولة المؤسسات والكفاءات والآليات اللازمة للذهاب بالملف إلى نهايته؟

وهنا تحديداً تُقاس مصداقية دولة القانون.

فالمواطن، في نهاية المطاف، لا ينتظر فقط المزيد من عمليات الرقابة أو التقارير أو الخطابات الجديدة حول الحكامة الرشيدة، وإنما ينتظر شيئاً أبسط بكثير: أن تترتب أخيراً نتائج على الوقائع التي تم إثباتها.

ومن دون ذلك، ستظل التقارير مجرد معاينات، والخطابات مجرد خطابات، وستبقى مكافحة تبديد المال العام أسيرة ما تزعم تحديداً أنها تحاربه: الإفلات من العقاب.

 

النانة بنت شيخنا
16 أغسطس 2026

أحد, 16/08/2026 - 21:13