
أتفهم جيدًا أن تثير النجاحات الكبيرة التي حققها أخي وزميلي محمد الأمين محمودي، بأفكاره الثورية غير التقليدية في الإعلام، حسد البعض، وأن يتحول إلى هدف لسهام نقد بعض الصحفيين، خاصة ممن لا يريد لمشروع فخامة رئيس الجمهورية النجاح، ولا يريد للاتصال والتواصل بين المواطن والدوائر الحكومية أن ينتهج أساليب مبتكرة وراقية، تختصر المسافات وتكسر الحواجز التقليدية بين القمة والقاعدة.
لكن ما لا يفهمه هؤلاء أن التحولات الحقيقية لا تُقابل بالتصفيق دائمًا، بل غالبًا ما تُقابل بالمقاومة، لأن كل فكرة جديدة تهدد مناطق الراحة القديمة، وكل نجاح صادق يفضح عجز الآخرين. لذلك كان من الطبيعي أن تُوجَّه السهام نحو من اختار أن يصنع الفرق بدل أن يكتفي بالمشاهدة.
غير أن الطريق الذي سلكه هؤلاء للنيل من محمد الأمين طريق وعِر وغير سالك، لأنه ببساطة يستند إلى أوهام لا إلى حقائق.
فمحمد الأمين لم يكن المال يومًا غاية عنده، بل كان وسيلة عابرة تمر بين يديه ولا تستقر. علاقته به معروفة لدى كل من عرفه عن قرب: بساطة، تعفف، ونزاهة لا تقبل الشبهات. كان ينفق ما يحصل عليه بسخاء لافت، أحيانًا بسخاء يحمل طابعًا طريفًا يكشف عن طبيعته الصادقة وغير المتكلفة.
وأذكر في هذا السياق موقفًا لا يزال حاضرًا في ذهني؛ كنا في إحدى أمسيات تسعينات القرن الماضي، ونحن لا نزال مراهقين، في حي كرفور، ولم يكن بحوزتنا سوى 200 أوقية قديمة. ترددنا حينها بين شراء سجائر أو دفعها كأجرة توصلنا إلى أصدقائنا في توجونين، لكن مرور امرأة متسولة تشكو حالها حسم الأمر. دون تردد، مد محمودي يده ومنحها المبلغ كله، وكأن القرار لم يكن بحاجة إلى تفكير.
ولم يكن ذلك الموقف استثناءً، بل كان نهجًا ثابتًا في حياته. فخلال فترة عمله مع قناة دبي التلفزيونية، كان يتقاضى راتبًا مجزيًا، لكنه كان يبدده بسخاء في أيامه الأولى من الشهر في قضاء حوائج الناس. ومع ذلك، لم يكن يقف مكتوف اليدين أمام أي حاجة ملحة؛ فكلما صادف ضيقًا عند أحد معارفه، بادر فورًا، بل وكان أحيانًا يلجأ إلى استباق راتب الشهر المقبل من المصرف، فقط ليخفف كربة أو يسد حاجة وسبق لمحمودي أن رفض إدارة مؤسسات كبيرة واشتهر عند الحكام بأنه يقبل كل وظيفة مالم يكن فيها تسيير للمال العام.
هذا هو محمد الأمين كما عرفته: ليس مجرد شخص، بل فكرة… فكرة إنسان يضع القيم قبل المصالح، والعطاء قبل الحسابات. وهذه الفكرة تحديدًا هي ما يزعج البعض، لأنها تكشف الفارق بين من يعمل بإخلاص ومن يكتفي بالكلام.
إن حملات التشكيك، مهما ارتفعت نبرتها، تبقى أضعف من أن تصمد أمام منطق الإنجاز. فالزمن لا ينحاز للضجيج، بل للنتائج. ومن يملك رصيدًا حقيقيًا من العمل لن تهزه كلمات عابرة.
لذلك نقولها بوضوح وثقة: العبوا غيرها…
فزمن التأثير بالإشاعة قد ولّى، ومن أراد المنافسة فليأتِ بإنجاز، أما محاولات التشويه فليست إلا دليلًا على عجزٍ لا يُخفى.



.jpeg)

.jpeg)