
بعد انسحاب مجموعة عريضة من حزب جمع متهمة القيادة بالشرائحية، وجد هذا المقال الذي كتبته في يونيو 2022 مستفيضة تصديق، يبدو أن الأستاذ جميل بعد ان استعاد المحافظون في تواصل حزبهم جعل من حزب جمع مختبرا لشرائحيته الوجودية.
كان گي مولى (Guy Mollet) يقول عن ميتراه أنه الرجل الذي تعلم أن يتكلم الاشتراكية، في إشارة إلى خلفيته اليمينية واتخاذه اليسار مطية، تنطبق هذه العبارة تماما على الأستاذ جميل فهو الشرائحي الذي تعلم خطاب الإسلاميين، يتخذه مقدمة لإسقاطاته التي لا ترى الفرد إلا من خلال خاناته القبْلية التي لا استحقاق له فيها ولا ذنب. مكن الأستاذ جميل خلال حقبة نفوذه داخل حزب تواصل للشرائحيين،في عملية استحواذ ممنهجة، حتى تحول الحزب الإسلامي الذي مكانه الطبيعي وسط أحزاب المحافظين إلى ناد لمتطرفة اليسار الثقافي.
أعتقد أن الأستاذ جميل ككثير من أبناء مختلف فئات المجتمع التقليدي شرائحي صادق، وأن تمكينه للشرائحيين داخل الحزب،وخارجه عبر الماكينة الإعلامية للتيار، لم يكن بدافع الانتهازية السياسية استغلالا للشرائحية لتحقيق أهداف استيراتيجية للحزب، بل لأن الشرائحية هي جوهر نضاله السياسي، محركه الثابت، جعلالحزب وأذرعه الإعلامية مطية لتجذيرها داخل المجتمع، فكان في رئاسة الحزب ينسج بصمت شبكة جذورها، يختلق الذرائع لتقديم الشرائحيين من الصف الثالث أو الرابع من المنتسبين على أئمة التيار الإسلامي من أصحاب السبق والكفاءة، وحين فقد ورقة رئاسة الحزب التي اقتضت العمل بصمت، وقف على منبر الشرائحية داعية مفوه، لا يهاب حدود التطرف.
إن الشرائحية لا تعدو أن تكون الطفح العاطفي، على جسد الحاضر،لما يعتقد الشرائحي أنه أحداث الماضي. وهو طفح لا علاج له، لأن علاج الماضي تطبيب ميت. تصيب ردة الفعل النفسية هذه بعض أبناء الشرائح التي يعتقد أن من أجدادها من تعرض لظلم، لكنها لا تقتصر عليهم فهي تصيب أيضا -بنسبة أقل بطبيعة الحال- بعض أبناء من كانوا في الجهة المقابلة عبر التقمص الوجداني لشعور أبناء تلك الشرائح، خاصة إذا كانوا أقارب أو مقربين، تماما كما نجد بين اليساريين الصادقين الأثرياء وأبناء الأثرياء. وهي حالة نفسية صحية داخل كل مجتمع ويجب أن تعامل كذلك، ما يجب أن نحاربه هو تحولها إلى فعل سياسي أو أن يعيش المجتمع على وتيرة فوراتها، لأن ذلك يمهد عبر صناعة الكراهية لولادة قوميات داخل المجتمع الحساني -لأن القومية في الحقيقة لا تعدو أن تكون اعتقاد بانتماء مشترك تشكل المخيلة الشعورية التاريخية أحد أهم أركانه- بما قد يترتب على ذلك من أحداث لا تخدم الإنسان والتنمية، أبعد الله طقسها عن هذه الأرض.
إن الشرائحية الفردية ليست خطرا على المجتمع، إذا فهمنا أنها ظاهرة نفسية تتراجع فوراتها بانحسار غليان الشباب، ظاهرة نفسية طبيعية بل صحية وتعاملنا معها كذلك، نفرق بينها وبين الحقوق. إن للظلم رواسب، أعظمها رواسب الظلم الذي لم نعشه، عشناه بالنيابة تقمصا،لأن ظلم الواقع نعرف ظروفه فنضعه في إطار حيثياته ونزنه بقيم زمانه، أما الظلم الذي عشناه بالنيابة تخيلا فنستطيع بأريحية تامة أن نضعه على حلبة الخير والشر، ونختار خيرين ناصعين وأشرارا، ضحايا وجلادين، في مشهد واضح لا غبار عليه، جردته مخيلة الانحياز العاطفي من قسطلان الصراع البشري. وإن الفرق بين الشرائحيين والحقوقيين هو أن الشرائحيين يتأوهون من تصوهملأحداث الماضي -الذي رحل أبطاله إلى حيث لنا لا يخبرون-ويشخصون حالتهم النفسية، وأن الحقوقيين يشخصون عيوب الحاضر ويناضلون من أجل إزالتها، ويجب أن تزول. إن سؤال، هل وقع ظلم تاريخي؟ رياضة ذهنية لا يترتب عليه أي شيء، لأننا لن نقضي للأموات من الأموات وإن بلغنا عدالة عمر، وإذا أورثنا ظالميةأو مظلومية للأحياء أوقعنا ظلما على أبرياء، فلو قدمنا شخصا واحدا يعتقد أن من أجداده من تعرض لغبن مؤشرنا الوحيد على ذلك ملامحه ولون بشرته على من هو أكفأ منه لأنه من شريحة أخرى، نكون قد أوقعنا ظلما لا ينجينا منه أن ميتا كان قد ظلم ميت -غفر الله لعباده برحمته أو عذبهم بعدله- ولو قدمناه لكفاءته كان البعد الشرائحي للمسألة ظلما له، لأنه إنما تقدم لأنه استحق تقديمه.
إن كثيرا من الشرائحيين يندفع بنية حسنة على ما يعتقد انه طريق المساواة، لكن طريق جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة -أو النيات- كما تقول العبارة. دون تعقل وحكمة تحول طاقة العواطف اندفاع ثور، تفسد ولا تصلح، إن الشرائحية السياسية ستقود في أحسن الأحوال إلى إطالة فترة احتضار العقليات التقليدية عبر زيادة حضور البنية المجتمعية التقليدية في حياتنا اليومية، وتعيق التحول نحو المجتمعات الفردية التي وحدها كفيلة باختفاء عقليات الماضي وأسواره وخنادقه التي تشكل رافدا من روافد المظالم التي يناضل الحقوقيون وفقهم الله لإزالتها، وقد تقود في أسوأ الأحوال إذا استمرت صناعة الكراهية إلىخلق قوميات داخل المجتمع الحساني، لن تسير بنا إلا على طريق الأفق المظلم، طريق البلقنة. يجب أن يدرك ذلك أولئك الذين يقسمون المناصب داخل الأحزاب والحكومة والإدارة على أساس الخانات القبْلية التي لا استحقاق للإنسان فيها ولا ذنب، أولئك الذين يهيئون الظروف ليكون الخطاب المتشنج مطية لمكاسب سياسية أو مادية أو اجتماعية.
وفق الله وأعان
د. م. شماد ولد مليل نافع



.jpeg)

.jpeg)