
في تلك الليلة، تحت سقف داكار اللطيف، وفي غمرة احتفال أُنفق عليه من الودّ أكثر مما أُوثِق فيه من التاريخ، جَلَس السادة كعادتهم يتجاذبون كؤوس الكلام. يُوزّعون الجغرافيا كما يُوزّع العشّاق خيباتهم، ويجتازون الخرائط بضربة لسان، كأنّ الجبال خطوطٌ سُكبت على ورق، وكأنّ الشعوب مجرد هامشٍ صغير في رواية لم يُتقَن إخراجها.
تكلّم الوزير الأسبق. آها! أصحاب المعالي السابقون... أولئك الذين أورثتهم الاستقالة شهيةً زائدة لإعادة رسم العالم! قال ببساطةٍ تشبه خفة النسيان: «إن حدود المغرب التاريخية كانت تمتد حتى السنغال!»
هكذا بكل يُسر.. مسح عن الخريطة أرضاً بمليونٍ ومائتي ألف كيلومتر مربع! مرّ فوق موريتانيا كما يمرُّ رجلٌ مستعجل على رصيفٍ مهجور، نسيتها مخيلته كما ينسى الخائن وعداً قطعَهُ في عتمة الليل.
لكنّ التاريخ—يا سيدي—ليس امرأةً مستكينة تُنسى في الهوامش، ولا أرضاً بلا حُرّاس.
نهض السفير الموريتاني. لم يكن يحمل معه سوى كبرياء صحراءٍ لا تنحني، وذاكرةِ رجالٍ يُتقنون الصمت ولكنهم إذا تكلموا.. صمتت القاعة.
نظر إليه بابتسامةٍ دبلوماسيةٍ تُغلف طعنةً من الحق، وقال ما معناه:
«مهلاً يا معالي الوزير... أتنسى الجار الذي ينام عند بابك؟ أم تحسبُ أن الأنساب والجغرافيا تُوهَبُ في الصالونات؟ نسيتم أن أجدادنا هم من كتبوا بدمائهم تاريخ "سان لوي"، وأننا لسنا مجرد مجرةٍ عابرة في فلك الآخرين؟»
آه من الحرج الدبلوماسي! كيف للكلمات أن تصير فجأةً ثقيلة كصخرة، وكيف للمجلّدين المذهّبين أن يتبخّرا أمام حقيقةٍ جغرافيةٍ تنبض بالحياة؟
وهنا، ولأن الساسة إذا أُحرجوا لجأوا إلى العاطفة، قفز الوزير الأسبق مستدعياً التاريخ القديم: تحدث عن "التكرور"، وحمّل المرابطين أوزار المخيلة! ثم، في لحظة درامية تستحق أن تُفرَد لها صفحة في كتاب العتاب، احتجّ برباط الدم: «كيف أسيء لموريتانيا وأختي موريتانية؟ وأنا من قضى ستة أشهرٍ يزرع السلام في ربوعكم؟»
يا إلهي! ما أسهل أن نتحول جميعاً إلى أقرباء عندما تضيق بنا الحجة! الخرائط تُطوى، والحدود تُنسى، وتتحول الأزمات التاريخية إلى صلح عائلي على فنجان شاي، لأن "الأخت موريتانية"!
ملاحظة بين السطور:
عجيبةٌ هي هذه المنطقة من العالم.. كُلّما أردنا أن نمدح حاضراً، سطونا على تاريخ الجيران. وكُلّما أردنا أن نعتذر عن جغرافيا سقطت سهواً من لسان دبلوماسي، تذكرنا أننا في النهاية "أنسباء"!
يبدو أن على المرء كلما أراد الخروج في نزهةٍ بين داكار والرباط، أن يحمل في جيبه خريطة، وجواز سفر، وإثبات نسب، ونسخةً من عقد زواج إحدى خالاته.. كي لا يجد نفسه فجأةً يقيم في دولةٍ قرر أحدهم، في لحظة تجلٍّ على مائدة عشاء، أنها لم تُوجد قط!
رملة سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)