
ليس غريباً أن تُشن الحملات على إبراهيم تراوري، فمن قبله اتهم جمال عبد الناصر بالديكتاتور، والشيوعي، والخائن الذي يتعامل مع الغرب من تحت الطاولة، ومات يوم مات وله من الاعداء والناقمين فوق ماله من الاصدقاء والمعجبين. لكن ما يحدث اليوم مع ابراهيم اتراوري في الاوساط العربية وشبه العربية يتجاوز المألوف، إنه فضح لعقدة نفسية عميقة، هي عقدة تضخم الذات تجاه الأفريقي التي تتحول إلى عدوانية ممنهجة، وعقدة الاستعلاء التي تخفي خوفاً وجودياً من الآخر.
تراوري ليس متهماً اليوم لأنه انقلابي او متهور او ديماغوحي فهذا ديدن كل بلد عربي تقريبا ، بل لأنه نجح وهو في هذه السن المبكرة أن يكون قائداً أفريقياً كبيرا وبلا استئذان، والأدهى أنه يملك من الجرأة ما يفتقده أغلب العرب اليوم الذين يلهثون خلف رضى الغرب بينما يلوكون دون وعي خطابات الكرامة.
إن الهجوم علي اتراوري ليس نقداً سياسياً، بل استعلاء عرقي متدثر بثياب النقد السياسي، تماماً كما يحدث مع إيران حين يُختزل كل صراع معها في "نقد مذهبي" يُلبس طابعاً طائفياً ليُغطى على أي قراءة موضوعية للنضال والوطنية وانتزاع الحقوق. إن كلا القضيتين تكشفان حالة العجز العربي الراهنة عن مواجهة الآخر بمنطق العقل فضلا عن منطق القوة، فيُسقطون عليه عقدهم الداخلية، وكأن التقييم الموضوعي للأبطال والخصوم أصبح رهناً بلون البشرة أو المذهب، لا بالمواقف التحررية أو السياسات السيادية.
أما الموريتانيون، الذين أصبحوا اليوم في طليعة المهاجمين المُنقضين على ابراهيم تراوري، فهذه هي العقدة الأكثر تعقيداً وتناقضاً.
إن تاريخ الموريتانيين القديم ممزوج بدماء الأفارقة، وألسنتهم تلفظ لغات الساحل، وبوصلتهم الجغرافية تتجه جنوباً لا شمالاً، لكنهم اختاروا أن يبيعوا هذا الإرث مقابل أموال النفط وألقاب العروبة المزيفة، وهو ما يعكس الى حد كبير ما يعرف بـ"متلازمة المخدوع" حيث يتحول المقهور إلى قاهر أكثر حماسةً من القاهرين الطبيعيين.
لقد غادرنا إفريقيا بعقولنا قبل أن نغادرها بأقدامنا، وتخلينا عن دورنا التاريخي كوسطاء وتجار ومترجمين، واستبدلناه بدور الحراس والبوابين في المشرق العربي، نقوم بصد كل محاولة أفريقية لكسر الحاجز الوهمي، ونراقب الحدود الفكرية بين العرب والزنوج كما لو كنا على ثغر من ثغور العروبة المزيفة، حولنا أرضنا من جسر واصل الى أخدود عازل، وصرنا – وبكل غرابة - أكثر عروبة من العرب أنفسهم، وكأنما الانتماء إلى إفريقيا وصمة عار، وكأن بشرتنا السمراء وملامحنا التي لا تخدع أحداً مجرد حادث عرضي يمكن تغييره بالإنكار والتطبيل لقاء احساس ذاتي بالانتماء ولقاء استمرار خدعة الشنقطة.
إنهم يمارسون ضد تراوري ذات الآلية التي تمارس اليوم ضد إيران: تحويل أي نقد أو دفاع إلى حقل عرقي/مذهبي ضيق، ليهربوا من مواجهة الجوهر، وليتجنبوا الحديث عن تبعيتهم السياسية التي اشترتها النيوكولونيالية بأرخص الأثمان.
وحينما تجرأ ابراهيم تراوري كأي قائد ثوري على الحديث عن تجارة العبيد عبر الصحراء، التي تؤكدها وثائق عربية نزيهة واوروبية محايدة وشهادات حية لا تُحصى، ارتجفت الأرض من تحت أقدام الحراس والبوابين، وكشفت عقدتهم النفسية الأعمق، الخوف من النظر في المرآة، والخشية ليست من حديث تراوري عن الماضي، بل لأنه يذكر بتاريخ اختاروا بغباء أن يرثوه وان يكونوا حراسا له ، حتى وهو ظاهر في بنياتهم الاجتماعية المجحفة، إن هذا الإنكار ليس جهلاً، بل خيانة متعمدة للتاريخ، وخيانة أعظم للذات، لأن الاعتراف بجذور العبودية في المنطقة لا ينتقص من أحد، والعرب ، وليس الاسلام ، مارسوا العبودية عبر تجارة الصحراء وقاموا باخصاء الذكور ليخدموا في الحريم دون خوف من أن يغشوا الجواري، ولولا عمليات الاخصاء لكانت بلاد المشرق العربي اليوم مزدحمة بالسود كما هو الحال في أمريكا..
إن التمسك بالإنكار هو ما يفضح الكذب لمن يظنون أن إخفاء الحقيقة يجعلهم أنقياء، وهم واهمون.
إن حراستنا المستمرة لهذا الموضوع ودورياتنا اليقظة حوله، ثم انفجارنا الغاضب حين ذكره ابراهيم تراوري، هو اعتراف تلقائي بمدى عمق الجرح الذي نحاول دفنه. إن الهحوم على تراوري الذي لعلع اسمه في سماء النضال العالمي يكشف ححم العُقد النفسية العربية وححم أزمة الوعي الحادة التي تتجاوز بكثير شخصه أو حتى ملف الساحل برمته.
إنها أزمة عرب فقدوا القدرة على تمييز البطل من غيره، وباتوا ينظرون إلى كل من لا يشبههم ، بل كل من لا يتلقى أوامره من نفس القنوات التي يتلقون منها أوامرهم ، باتوا ينظرون اليه بعين الريبة العرقية أو المذهبية، بينما يتلقفون الإتاوات المالية من كل حاكم يدفع ثمناً للصمت.
تراوري ليس بحاجة إلى تزكية العرب، فجماهير الساحل الأفريقي والعمق الافريقي وامريكا اللاتينية والجنوب العالمي كله يعرفونه جيداً ومؤمنون بثوريته ووطنيته، والحقيقة أن من يحتاج إلى مراجعة نفسه هم أولئك الذين لا زالوا يرون إفريقيا بلداً هامشيا لا يستحق أن يكون به أبطال، وينكرون تاريخا مؤسفا يعيشون آثاره ويمشون على أرضه كل يوم.



.jpeg)

.jpeg)