لماذا رفع البنك المركزي الموريتاني الفائدة الآن؟

جاء قرار البنك المركزي الموريتاني رفع سعر الفائدة الرئيسي من 6% إلى 6,5% للمرة الأولى منذ أغسطس 2022 في توقيت اقتصادي لافت. فبعيداً عن كونه مجرد تعديل تقني في أدوات السياسة النقدية، يبدو القرار مرتبطاً بقراءة أوسع للتحولات التي يعيشها الاقتصاد الموريتاني، كما تعكسها تقديرات وتقارير صندوق النقد الدولي الأخيرة.

فبينما يواصل الاقتصاد الموريتاني تسجيل معدلات نمو إيجابية، تشير تقديرات صندوق النقد إلى أن هذا النمو بدأ يدخل مرحلة أكثر تعقيداً من السابق، تجمع بين استمرار فرص التوسع الاقتصادي وظهور مخاطر تستدعي الحذر النقدي. فبعد نمو قوي بلغ 6,3% في 2024، يتوقع الصندوق تباطؤ النشاط إلى حدود 4,2 – 4,8% خلال المرحلة اللاحقة، مع استمرار مساهمة القطاعات غير الاستخراجية والبنية التحتية والاستثمارات الخاصة، لكن وسط بيئة عالمية أكثر تقلباً.

 

 

قرار في سياق اقتصاد يتغير

 

في القراءة التقليدية، تلجأ البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة عندما تواجه تضخماً مرتفعاً يهدد الاستقرار الاقتصادي. لكن موريتانيا لا تبدو حالياً أمام موجة تضخم خارجة عن السيطرة؛ إذ تشير توقعات صندوق النقد إلى بقاء التضخم في مستويات “محتواة” نسبياً خلال الفترة المقبلة.

وهنا تظهر أهمية القرار؛ فهو لا يبدو استجابة متأخرة لأزمة قائمة، بل أقرب إلى سياسة وقائية مبكرة.

البنك المركزي يبدو وكأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن مرحلة الاقتصاد الموريتاني القائمة على توسع المشاريع الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعدين، قد تولد ضغوطاً نقدية مستقبلاً إذا لم تُدار بحذر.

فكل زيادة في حجم السيولة داخل الاقتصاد تحمل احتمالاً مزدوجاً: دعم النمو من جهة، وخلق ضغوط تضخمية من جهة أخرى.

 

 

معادلة صعبة: حماية الأسعار دون إبطاء النمو

 

التحدي الحقيقي لا يتعلق برفع الفائدة بحد ذاته، بل بالتوازن المطلوب بين استقرار الأسعار واستمرار النمو.

فصندوق النقد الدولي، رغم نظرته الإيجابية نسبياً لمتوسط الأجل في موريتانيا، يربط هذا التفاؤل باستمرار الإصلاحات وتحسين الحوكمة وتعزيز مناخ الأعمال وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على القطاعات الاستخراجية. كما يشير إلى أن تصاعد المخاطر الإقليمية والتقلبات الدولية قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل المخاطر التضخمية المحتملة في موريتانيا داخلية أم خارجية؟

إذا كان التضخم ناتجاً عن زيادة الطلب المحلي والسيولة، فإن رفع الفائدة قد يكون فعالاً في الحد منه. أما إذا كان مصدر الضغوط ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالمياً، فإن قدرة السياسة النقدية على التأثير تصبح أكثر محدودية.

وقد ازدادت أهمية هذا السؤال مع التحذيرات الدولية الأخيرة من تأثير التوترات الجيوسياسية على أسعار الطاقة والغذاء عالمياً.

 

 

ماذا قد يعني القرار للمواطن؟

 

الأثر لن يكون فورياً بالضرورة، لكنه قد يظهر تدريجياً:

- ارتفاع تكلفة بعض القروض الاستهلاكية والعقارية.

- ميل البنوك إلى تشديد شروط التمويل.

- زيادة نسبية في جاذبية الادخار.

- تباطؤ بعض قرارات التوسع والاستثمار.

لكن في المقابل، إذا نجح القرار في منع موجة تضخمية مستقبلية، فقد يساهم في حماية القدرة الشرائية واستقرار الأسعار على المدى المتوسط.

 

 

بداية مرحلة نقدية جديدة؟

 

ما يجعل القرار مهماً ليس مقدار الزيادة — نصف نقطة مئوية فقط — وإنما ما قد يمثله من تحول في فلسفة إدارة السياسة النقدية.

فالاقتصاد الموريتاني يدخل تدريجياً مرحلة جديدة تتسم بتوسع الاستثمار، وتغير هيكل النشاط الاقتصادي، وارتفاع الاندماج مع الأسواق الدولية. وفي مثل هذه البيئات، لا تنتظر البنوك المركزية ظهور الأزمات بوضوح، بل تحاول التحرك قبلها.

لذلك يمكن قراءة قرار رفع الفائدة باعتباره رسالة أكثر منه رقماً:

البنك المركزي لا يتعامل مع وضع اقتصادي متأزم، بل يحاول بناء هوامش أمان مبكرة في اقتصاد يرى أنه مقبل على مرحلة أكثر نشاطاً، وأكثر حساسية أيضاً للصدمات الخارجية والداخلية.

 

مولاي ولد سيد احمد

 أقلام

أربعاء, 20/05/2026 - 13:06