
في 18 مايو 2001، فقدت موريتانيا مبكرًا أحد أبرز مفكريها، جمال ولد الحسن، الذي رحل عن عمر ناهز 42 عامًا فقط. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته. وقد لخّص العلامة حمدن ولد التاه خصوصية مسيرته بقوله: «لم يكن عمره طويلًا، بل كان واسعًا».
في عرض شفهي مرتجل لكنه بالغ الإشراق، ألقاه في دار الشباب قبل عقود، طرح جمال فكرة لا يجرؤ على طرحها إلا كبار المفكرين: أولوية الأفكار المؤسسة على التفاصيل الظرفية والعابرة.
لم يكن يدعو إلى تجاهل الوقائع، بل إلى قراءتها قراءة عمودية، وإدماجها ضمن رؤية كلية شاملة. فالمسألة الحقيقية – في نظره – لا تتعلق بحوادث السطح، وإنما بالبنى العميقة الكامنة وراء تشققات المجتمع.
وبحس جدلي عميق، طرح جمال سؤالًا محوريًا: هل نعيش حالة قطيعة أم مجرد تشتت؟
وهو يميز بدقة بين المفهومين؛ فالقطيعة تفترض وجود خط متصل يتم كسره، أما التشتت فيفترض وجود مسارات متوازية لا تتقاطع، لكنها تنتهي في النهاية إلى جعل أي وحدة أمراً غير قابل للتصور. بمعنى آخر، يمكن لوعيين ثقافيين أن يعيشا في الزمان والمكان نفسيهما دون أن يلتقيا أبدًا.
ومن خلال هذه القراءة، يفكك جمال فكرة الصراع بين الأجيال، ويرفض اعتبار العمر معيارًا للانقسام. فالشاب قد يحمل حكمة القدماء، بينما قد ينزلق الشيخ إلى هستيريا العصر. وما يميز الناس، في نظره، ليس أعمارهم، بل البيئة الثقافية التي تشكلت فيها عقولهم.
وفي نهاية تحليله، يكشف جمال جوهر الأزمة: صراع كامن بين نموذجين حضاريين.
الأول داخلي تاريخي، نشأ في المحاظر، وارتوى من روح الصحراء، وصقلته رياح شنقيط ومواسم الوادي، وتكوّن في صحبة الزهد والإيمان.
أما الثاني فخارجي وافد، فُرض في سياق الإدارة الاستعمارية، وتغذى من منظومة معرفية أجنبية لا تربطه بالمجتمع سوى علاقة الهيمنة.
لكن جمال لم يكن يرى الأمر مجرد استعمار ثقافي أو اغتراب ذهني، بل اعتبره صراعًا إبستمولوجيًا حقيقيًا بين رؤيتين للعالم، وبين طريقتين في الكلام والتفكير والحب ونقل المعرفة.
وأكد أن الأمر لا يتعلق بقطيعة مجردة، بل بحرب مواقع خفية طورت خلالها الثقافة المهيمن عليها أشكالًا دقيقة من المقاومة، تجلت في الشعر والطقوس واستمرار مفردات لغوية لم تستطع المدرسة الحديثة محوها.
كان جمال ولد الحسن يرى أن تطور المجتمعات يخضع لقانون إنساني ثابت، غير أن وعي الشعوب بهذه الحركة التاريخية وقدرتها على توجيهها يختلف من مجتمع إلى آخر. وكان يؤكد أن فهم التحولات الاجتماعية لا يعني بالضرورة وجود إرادة جماعية موحدة حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه.
ومن هنا تنشأ الاختلافات الفكرية، وتتعدد المنطلقات، وتتباين النتائج أحيانًا بصورة متعارضة. لكنه كان يعتبر أن مجرد طرح هذا السؤال بوعي ووضوح يمثل في حد ذاته خطوة متقدمة في تطور الوعي الفكري.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، رأى أن أحد الشروط الأساسية للتحكم الأفضل في مستقبل المجتمع يكمن في نشوء حقل معرفي وصفي مستقل نسبيًا عن الأبعاد الغائية والمعيارية للمعرفة؛ أي بناء تقاليد علمية ودراسات قادرة على إنتاج قراءة واقعية وموضوعية للمجتمع بعيدًا – قدر الإمكان – عن الافتراضات الإيديولوجية والقوالب النظرية الجاهزة.
وبحسب جمال ولد الحسن، فإن أي مشروع تقدم حقيقي لا يمكن أن يتحقق دون مؤسسات علمية مستقلة فعليًا، ودون ترسيخ تقاليد أكاديمية تنتج معرفة متحررة نسبيًا من الضغوط السياسية والإيديولوجية والظرفية.
غير أن هذا الشرط المعرفي يرتبط في نظره بضرورة تجاوز أشكال التشتت التي تعاني منها موريتانيا، والتي رأى أنها ذات بعدين: داخلي وخارجي.
فعلى المستوى الداخلي، يتمثل التشتت في غياب رؤية شاملة للمجتمع تربط بين الظواهر المختلفة التي تنظم حياة الناس؛ حيث يظل التفكير الاجتماعي غالبًا مجزأً، ينغلق كل منظور على جزء محدود من الواقع دون إدماجه ضمن العلاقات الاقتصادية والثقافية والرمزية والتاريخية التي تمنحه معناه الحقيقي.
كما تحدث عن تشتت نفسي أكثر خفاءً، ناتج عن امتزاج غير مكتمل بين التأثيرات والمرجعيات المختلفة في تصورنا لأنفسنا.
أما التشتت الخارجي، فقد نشأ عن نظرات طويلة اعتبرت موريتانيا كيانًا معزولًا ومنفصلًا عن عمقه التاريخي والإنساني، وهي رؤية متأثرة إلى حد بعيد بالبناءات الاستشراقية التي اختزلت المجتمع الموريتاني في حالة استثنائية جامدة منفصلة عن الحركات الفكرية والحضارية الكبرى التي ظل مندمجًا فيها عبر قرون.
لكن جمال رأى أن هذا التصور يمثل مأزقًا علميًا حقيقيًا؛ فموريتانيا ليست مجتمعًا معلقًا خارج الزمن، بل هي شبكة عميقة من العلاقات التاريخية والثقافية والروحية الممتدة في فضاء إنساني واسع وفي استمرارية حضارية طويلة.
وفهم موريتانيا، في نظره، يقتضي التفكير في المكان والزمان والذاكرة والإرث غير المرئي وآليات انتقال الوعي الجماعي في آن واحد، وهو جهد لا يمكن أن ينجزه فرد واحد، بل يتطلب عملاً فكريًا جماعيًا متعدد التخصصات.
قليلون من المثقفين الموريتانيين حملوا مشروعًا فكريًا بهذا الطموح الشامل، ولذلك ظل رحيل جمال ولد الحسن المبكر مؤلمًا؛ لأنه لم يقطع مسيرة شخصية استثنائية فقط، بل عطل أيضًا إمكانية بناء مشروع فكري وطني كبير.
وفي زمن تتبدد فيه المجتمعات داخل إيقاع اللحظة الرقمية والهويات المتصلبة والجدالات السطحية، تذكرنا أفكاره بأن الشعوب لا تستمر بضجيجها، بل بعمق الوعي الذي تبنيه عن نفسها.
لقد دعا إلى العودة إلى القراءات الكبرى، وإلى الزمن الطويل، وإلى التحليلات البنيوية؛ إلى التحرر من الانغلاق الذهني ومن ضيق الأفق الفكري، وإلى إدراك أن الثقافة ليست مجرد زينة اجتماعية، بل هي البنية الخفية لروح المجتمع.
وتشبه أعماله الشفوية تلك المياه الجوفية العميقة في الصحراء، التي قد لا تُرى، لكنها تواصل منح الحياة لما يوجد تحت الرمال.
محمد ولد الشريف
ترجمة: أقلام



.jpeg)

.jpeg)