كيف دخلت إيران لعبة النفوذ في الساحل الإفريقي؟

ربما بفعل شهر رمضان، شهدت هجمات الجماعات الجهادية في منطقة الساحل وعلى أطراف خليج غينيا تراجعًا نسبيًا في حدّتها، من دون أن يعني ذلك انحسارها الفعلي. فالمعارك ما تزال متقطعة وغير منتظمة، بينما تستمر صعوبات تموين المدن، وانعدام الأمن على الطرق، والتجاوزات التي يرتكبها أطراف النزاع بحق السكان المدنيين، غالبًا بعيدًا عن أعين الشهود.

 

وفي ظل هذا الواقع، يبقى المصدر الأكثر وفرة للمعلومات هو البيانات والمنشورات التي تصدرها أطراف الصراع أنفسهم. أما الصحفيون ونشطاء المجتمع المدني فيكافحون للقيام بعملهم في التوثيق والتحذير، بعدما شددت المجالس العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو القيود على حرية التعبير، باسم حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الروح الوطنية.

 

وعلى المستوى الخارجي، تبدو وضعية الدول الثلاث أكثر تعقيدًا بفعل تقلبات الجيوستراتيجية العالمية، إذ لا تزال القارة الإفريقية في كثير من الأحيان أقرب إلى موقع المساند الهامشي منها إلى موقع الفاعل الرئيسي في هذه التفاعلات الدولية.

 

 

أولًا: أسباب التريث

 

بعد أسبوع من اندلاع موجة جديدة من الاضطرابات في الشرق الأوسط، لم يصدر موقف واضح من دول تحالف الساحل التي تعد حلفاء ظرفيين لإيران، باستثناء رئيس الوزراء المالي.

 

فخلال زيارته في 5 فبراير 2026 إلى سفارة الجمهورية الإسلامية في باماكو لتقديم التعازي عقب اغتيال المرشد علي خامنئي، أشاد بذكراه واصفًا إياه بالبطل. وقال الجنرال عبد الله مايغا إن آية الله توفي «شهيدًا وهو يدافع حتى آخر أنفاسه عن المصلحة العليا للدولة والشعب الإيراني».

 

ومن بين أسباب هذا التحفظ لدى الحلفاء الدبلوماسيين لطهران تحسن علاقاتهم في الوقت ذاته مع الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا في مجالي الأمن واستخراج المعادن، وهما قطاعان استثمرت فيهما خلال السنوات السبع الأخيرة كل من تركيا والصين والهند وروسيا.

 

كما يفسَّر هذا التردد أيضًا بنفوذ المشيخات السنية في شبه الجزيرة العربية، التي تسعى باستمرار إلى مواجهة أي نشاط دعوي شيعي خارج حدودها.

 

وقد خلّف دعم إيران وحزب الله وبعض الميليشيات العراقية لنظام بشار الأسد خلال الحرب السورية استياءً واسعًا في العالم العربي، إذ كشفت تلك الحرب الأهلية عن عمق واستمرار الانقسام الديني داخل العالم الإسلامي منذ القرن السابع.

 

 

ثانيًا: نقاط التقاطع والانحرافات

 

من وجهة نظر طهران، يخوض تحالف دول الساحل حربًا ضد التطرف الذي يستهدف الشيعة عبر هجمات تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يمتلك ما بين ست وسبع ولايات في إفريقيا من أصل عشرين على مستوى العالم.

 

غير أن انتشار التشيع في إفريقيا، باستثناء حضوره القوي في نيجيريا، يبقى محدودًا نسبيًا، وهو ما يجعل أتباعه أقل عرضة للعنف الجهادي المباشر.

 

ومع ذلك، تحرص إيران، التي تعاني من عزلة واسعة، على إبراز علاقاتها مع شركاء يقبلون بالنظام الرأسمالي لكنهم يعارضون الديمقراطية الليبرالية والمساواة بين الجنسين وعالمية حقوق الإنسان.

 

وإلى جانب الميل المشترك لتعزيز السيادة والروح الثورية، يتقاسم الطرفان خطابًا ناقدًا للغرب يُصوَّر فيه باعتباره قوة مهيمنة ومنحلة. غير أن مستوى هذا الخطاب يختلف بين إيران والأنظمة العسكرية في الساحل من حيث الصياغة والحدة.

 

 

ثالثًا: الأسطورة الحضرية والواقع

 

منذ عام 2024 تبدو العلاقات بين إيران وتحالف دول الساحل في توسع مستمر، على الأقل في الخطاب الرسمي. وتشمل هذه العلاقات نظريًا مجالات متعددة مثل:

•البتروكيميائيات

•الطاقة الأحفورية

•النووي المدني

•المعادن الاستراتيجية

•الاستخبارات والتنصت

•حفظ النظام والسيطرة على السكان زمن الحرب

•تجارة الطائرات المسيّرة

 

ومع ذلك، ورغم انعقاد القمة الثالثة لإيران وإفريقيا في أبريل 2025 بمشاركة سبعمائة مندوب من ثمانية وثلاثين دولة، إضافة إلى الزيارات الثنائية، فإن النتائج العملية لهذا التقارب لا تزال محدودة.

 

فالدعاية السياسية وحدها لا تكفي لإثبات فعالية هذا التقارب الذي يُعرض باعتباره رمزًا للصمود في وجه ما يُنظر إليه كظلم في النظام الدولي.

 

فعلى سبيل المثال، فإن الطائرات الانتحارية من طراز «شاهد»، رغم انخفاض ثمنها مقارنة بالنماذج التركية أو الصينية أو الأوكرانية، تُستخدم مرة واحدة فقط، ما يجعل فائدتها محدودة في مواجهة التمرد الجهادي طويل الأمد.

 

كما أن مساعي بيع مركزات اليورانيوم من النيجر إلى إيران، رغم الإعلان عنها رسميًا في نيامي، تبقى رهينة سلسلة نقل معقدة وهشة.

 

أما السلع الإيرانية المحتملة الاستيراد، فإن العقوبات الدولية تؤدي إلى ارتفاع كبير في تكلفتها وإطالة مسارات تسليمها.

 

ولهذا لا يوجد حتى الآن دليل واضح على وجود تجارة كبيرة أو تعاون ملموس بين إيران وتحالف دول الساحل.

 

وبناءً عليه، فإن تأثير الأزمة الحالية في الشرق الأوسط على الطرفين لا يمكن تصوره إلا في إطار رمزي ودبلوماسي أكثر منه تأثيرًا ماديًا مباشرًا.

 

لقد فقدت الأنظمة العسكرية في غرب إفريقيا وايران معًا صفة الشريك الاستراتيجي المؤثر، لكنهما ما تزالان قادرتين على تبادل الدعم السياسي واللفظي في مواجهة الضغوط الدولية.

أربعاء, 11/03/2026 - 23:16