
لم تكن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة التي بدأت الاربعاء 12 فبراير الجاري زيارة عابرة كما جرت العادة منذ سنوات، بل بدت أقرب إلى نقطة فاصلة مثقلة بالرسائل، في توقيت يتسم بحساسية داخلية وإقليمية ودولية بالغة، وفي ظل تحولات لافتة في المناخ السياسي والإعلامي الأمريكي تجاه إسرائيل.
أجمعت التقارير الصحفية الأمريكية التي تناولت تلك الزيارة بأنها جاءت مختلفة عن سابقاتها طوال العقد الماضي، إذ كان ملفتاً غياب المظاهر البروتوكولية المعتادة, لا استقبال رسمي أمام البيت الأبيض، ولا صور تقليدية أمام الصحفيين، ولا مؤتمر صحفي مشترك، ولا حتى إتاحة المجال لأسئلة الإعلامين, بل كان ملفتاً اكثر ان نتنياهو دخل البيت الابيض من باب خلفي, ولم يدلِ بأي تصريحات علنية خلال هذه الزيارة القصيرة التي لم تتجاوز 30 ساعة، وهو ما يعتبر استثناءً في سياق العلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب.
هذا الغياب اللافت للمشهد الاحتفالي المعتاد فتح الباب أمام تأويلات عدة, هل هو مجرد ظرف بروتوكولي؟ أم أن الإدارة الأمريكية باتت تفضّل إدارة ملفاتها مع إسرائيل بعيدًا عن الأضواء في ظل التطورات المتلاحقة داخل المجتمع الامريكي الذي تعصف به فضائح من الوزن الثقيل يعتقد تيار سياسي واعلامي محافظ مهم ان اسرائيل تقف خلفها بطريقة او باخرى...؟
وفقاً لما تسرب اعلامياً فان الملف الإيراني كان يخيم على اجواء الزيارة، لكن من دون صخب, فالإدارة الامريكية لم ترغب في خروج ما دار خلال الزيارة لوسائل الاعلام، تمشياً مع ما يسمى "إستراتيجية الغموض" اي تجنّب التصريحات العلنية حول ملف معقّد تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية.
تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب شددت على ضرورة معالجة ملف الصواريخ الإيراني وسائر القضايا المرتبطة به، فيما تحدث أعضاء في مجلس الشيوخ عن “استراتيجية دقيقة” و”خيارات تُدرس بعناية”, هذا في حين ان هدف نتنياهو وحكومته المتطرفة هو جر الولايات المتحدة الى حرب مع ايران لا تبقي ولا تذر على الرغم انها تعلم ان ذلك قد يروطها في مستنقع ايران مما سيلحق ضرراً هائلاً في الولايات المتحدة على الصعيد العسكري والاقتصادي والسياسي والاخلاقي, لانها لن تواجه ايران منفردة, بل سيكون في الخلفية الصين وروسيا وان بطريقة غير مباشرة بالاضافة الى بعض الدول والقوى الاقليمية, وهذا ما يذكر بما حصل لها في كل من افغانستان والعراق من قبل ولكن مع فارق هائل, لان ايران تتفوق بمراحل في عدة وجوه, عسكرياً, ديمغرافيا, جغرافياً, استراتيجياً, بمعنى ان لها تواجد اقليمي فاعل مؤثر في رسم صورة الاقليمية.
لكن ما بدا أكثر أهمية من مضمون اللقاء، هو السياق الداخلي الأمريكي الذي جرت فيه الزيارة, الاعصار الذي يعصف بالنخب الامريكية السياسية والاقتصادية والعلمية والتقنية وغيرها والاشارات القوية التي توحي بأن اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية وراء هذا الاعصار والصدمة الهائلة التي هزت المجتمع الامريكي جراء ذلك, مما اثر على نفوذ اللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة الذي لم يعد المايسترو الذي يتحكم تماماً بزمام صانع القرار الامريكي.
على مدى عقود، كان الدعم الأمريكي لإسرائيل يحظى بإجماع سياسي وإعلامي شبه كامل، سواء بين الجمهوريين أو الديمقراطيين. غير أن حرب اسرائيل الأخيرة على قطاع غزة وما خلفته من دمار هائل وخسائر بشرية مفزعة وجرائم ابادة جماعية أدت الى اثارة تساؤلات كانت حتى وقت قريب من “المحرمات” في واشنطن, هل يجب فصل المصالح الأمريكية عن سياسات وحروب إسرائيل؟
لم يعد هذا السؤال يُطرح فقط في أوساط اليسار التقدمي، بل بدأ يتردد في دوائر محافظة أيضًا. شخصيات إعلامية وسياسية محافظة مثل تاكر كارلسون وكانديس أوينز ومارغوري تيلور غرين لم تعد تخفي انتقاداتها لسياسات وجرائم إسرائيل، بل تجاوزت ذلك إلى التشكيك في جدوىالانخراط الأمريكي غير المشروط معها في كل ذلك.
وبرز ايضاً الى جانب الأصوات الشمار اليها في هذا السياق، صوت اثار جدلاً كبيراً, وهو رجل الأعمال جيمس فيشباك الرئيس التنفيذي لشركة “أزوريا للاستثمار” المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية فلوريدا،الذي هاجم علنًا تحويل 385 مليون دولار من أموال جهات حكومية في فلوريدا إلى سندات حكومية إسرائيلية.
فيشباك لم يكتفِ بانتقاد القرار، بل صعّد خطابه قائلًا إن “أموال دافعي الضرائب أُرسلت بتهور إلى حكومة أجنبية”، متعهدًا، في حال فوزه، بسحب الاستثمارات من السندات الإسرائيلية وتخصيص المبلغ لمساعدة الأزواج الشبان في فلوريدا على شراء منازلهم الأولى. وفي تغريدة أثارت جدلًا واسعًا وحققت ملايين المشاهدات، قال إن المكالمة الوحيدة التي قد يجريها مع نتنياهو ستكون لسؤاله: “أين أموالنا؟”.
مثل هذا الخطاب، الصادر من مرشح جمهوري في ولاية تُعد من أهم معاقل الحزب ومقر لجالية يهودية قد تكون الاكبر في الولايات المتحدة بعد نيويورك وكاليفورنيا، يعكس تحوّلًا لا يمكن تجاهله، حتى وإن ظل حتى الآن محدود التأثير مؤسسيًا.
هذا وفي السياق ذاته, إن التطور الأكثر دلالة لم يأتِ من الحملات الانتخابية بعد، بل من داخل مؤسسة رسمية في واشنطن. فقد تحولت جلسة استماع في لجنة الحريات الدينية التابعة للبيت الأبيض إلى ساحة مواجهة مفتوحة حول تعريف معاداة السامية وحدود انتقاد إسرائيل.
بطلة هذا الجدل كانت المفوضة كاري بريغان بولر، التي عيّنها ترامب ضمن لجنة تمتد ولايتها حتى عام 2026. خلال الجلسة، رفضت بولر الربط التلقائي بين انتقاد الصهيونية ومعاداة اليهود، ووصفت ما يحدث في غزة بأنه “إبادة”، متسائلة عمّا إذا كان رفض الصهيونية أو الاحتجاج على سياسات إسرائيل يُعد جريمة في الولايات المتحدة.
وما زاد الجدل اشتعالًا أنها حضرت وعلى تضع على صدرها دبوسًا يجمع بين العلمين الأمريكي والفلسطيني، وشدد اكثر من مرة اثناء مداخلتها التي كانت مكتوبة (ما يعني انها مقصودة ليس مصادفة) بأنها كاثوليكية لا ترى في الدولة الحديثة لإسرائيل دلالة نبوية دينية، في رد مباشر على أطروحات صهيونية تؤيدها اطراف انجيليكانية تربط قيام إسرائيل بنبوءات دينية.
الجلسة التي كان يفترض أن تناقش تصاعد حوادث معاداة السامية، تحولت إلى نقاش أعمق حول تعريف المصطلحات وحدود حرية التعبير. أحد الشهود شدد على أن معاداة الصهيونية تعني معاداة السامية وفق تعريفات معتمدة، فيما أصرت بولر على ضرورة التمييز بين الدين والسياسة، وبين الهوية اليهودية وسياسات دولة.
الردود لم تتأخر. شخصيات ومنظمات داعمة لإسرائيل طالبت بإقالتها فورًا، فيما سارع مسؤولون إلى إعلان إقالتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن ترد مؤكدة أن لا أحد يملك سلطة إقصائها من لجنة أسسها الرئيس بقرار تنفيذي, وقالت بوضوح انها تفضل الموت على الركوع لاسرائيل, وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يزال اسمها مدرجًا ضمن أعضاء اللجنة.
ما جرى داخل تلك اللجنة ليس “زلة لسان” أو تصريح عابر, فخروج هذا النوع من الخطاب من داخل مؤسسة رسمية، وعلى لسان شخصية محافظة عيّنها رئيس جمهوري، يعكس نوع من التغيير في هيكل الإجماع التقليدي.
السؤال الذي فجرته بولر وبات يتردد اليوم في الكواليس السياسية والإعلامية في واشنطن ليس فقط عن مصيرها اذا سيتم اقالتها ام لا، بل عن مستقبل تعريف مصطلح “معاداة السامية” ذاته، وهل سيظل تعريفه محتكرًا من زاوية تربطه عضويًا بالدفاع غير المشروط عن سياسات إسرائيل ويوفر لها حصانة من اي تساؤلات او مسؤوليات جراء جرائمها مهما بلغت من فظاعات، أم ستتسع الدائرة لتسمح بتمييز أوضح بين نقد حكومة ودولة ونقد دين.
في هذه الاجواء الملبدة، تبدو زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن محاطة بسياق مختلف عمّا كان عليه الحال من قبل, عموماً الهدوء الإعلامي الذي يرافق اللقاءات المغلقة قد لا يعكس انسجامًا بقدر ما يعكس حساسية اللحظة او اجندة تلك اللقاءات.
فبين تصاعد الانتقادات في أوساط شعبية وسياسية، وانقسام متنامٍ حول كلفة الدعم غير المشروط، وضغوط داخلية مرتبطة بالانتخابات، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معادلة دقيقة, الحفاظ على التحالف الاستراتيجي التاريخي مع إسرائيل لاسباب موضوعية او ربما غير موضوعية كما يتردد في الاوساط الامريكية هذه الايام (ابتزاز او رشاوي)، من دون تجاهل التحولات في الرأي العام.
السؤال الذي يقفز الى الاذهان, هل نحن أمام بداية إعادة تعريف للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية..؟ أم أن ما نشهده مجرد سحابة عابرة ستنحسر مع انحسار هذه السحابة أو مع تغير العناوين الإخبارية..؟
الإجابة في رحم الايام القادمة, لكن المؤكد أن حرب اسرائيل على قطاع غزة، وتداعياتها الإنسانية والسياسية، لم تعد شأنًا خارجيًا بعيدًا، بل أصبحت عاملًا فاعلًا في إعادة تشكيل النقاش الداخلي الأمريكي حول إسرائيل، وحدود دعمها، وضرورة استقلال المصالح الوطنية الامريكية وعدم رهنها للسياسات والممارسات والجرائم الاسرائيلية.
زيارة قصيرة بلا مراسم، وجلسة صاخبة داخل لجنة رسمية، وتغريدات انتخابية حادة… قد تبدو أحداثًا متفرقة، لكنها في مجموعها ترسم ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: كسر الصمت، وفتح الأسئلة المؤجلة.
كان ملفتاً ايضاً انه صاحب الزيارة ارتفاع نبرة صوت الرئيس الامريكي على الرئيس الاسرئيلي لعدم اصداره عفو عن نتنياهو لاسقاط تهم الرشوة والفساد وخيانة الامانة التي يواجهها والتي تصل عقوبتها في حال ادانته وهو المرجح نحو 15 سنة داخل السجن......يبدو ان هذا هو احد اهم اهداف الزيارة لا سيما ان استطلاعات الرأي الاخيرة اشارت الى ان تحالف اليمين الداعم لنتنياهو لن يحصل على اكثر من 50 مقعداً في الكنيست من اصل 120 مقعداً, في حين ان احزاب المعارضة ستحصل على 60 مقعدا فيما ستحصل الاحزاب العربية على 10 مقاعد, اي انه في حكم المؤكد ان نتنياهو لن يكون رئيساً للوزراء في الانتخابات القادمة, وبالتالي لن يتمكن من الانفكاك من المصير المحتوم, لذا يضغط بكل قوة على ترامب نحو دفع الرئيس الاسرائيلي لمنحه العفو.
الرئيس الاسرائيلي من جهته رأى ان طلب ترامب هو تدخل سافر في الشؤون الداخلية الاسرائيلية...!!!!!
الرئيس الاسرائيلي اسحق هيرتسوغ من اقطاب حزب العمل المحسوب على اليسار الاسرائيلي اي التيار السياسي المعارض لنتنياهو اليميني المتطرف, بل كان رئيساً للحزب وزعيماً للمعارضة من 2013 لغاية 2017 حتى انتخابة للرئاسة وكان رئيس الوزراء في تلك الفترة نتنياهو, براغماتياً من مصلحته هيرتسوغ ومن مصلحة حزبه ايضاً ان لا يمدلخصمهم اللدود نتنياهو طوق النجاة, وكل المعطيات تشير الى ذلك....الى الان على الاقل.
وفي سياق منفصل, الملف الايراني وفقاً لكل التقديرات حظى بالنصيب الاكبر من وقت الزيارة التي كانت مقررة يوم 18 فبراير الجاري لتتواكب مع اجتماعات مع اكبر لوبي مؤيد لاسرائيل في الولايات المتحدة (ايباك), لكن لاسباب غير معلنة طلب نتنياهو بتقديمها لاسبوع تقريباً, لماذا...؟؟
لاسباب متوقعة وغير موثقة منها, اهمها محاولة تطويق تداعيات ملفات ابستين على العلاقات الامريكية الاسرائيلية لاسيما في ظل اشارة العديد من الملفات المسربة الى ارتباط ابستين باجهزة المخابرات الاسرائيلية, بما في ذلك تزويده تلك الاجهزة بأفلام وتسجيلات فاضحة ومشينة لشخصيات سياسية واعلامية واقتصادية نافذة وصناع قرار بهدف ابتزاز تلك الشخصيات والسيطرة عليها وارغامها على تلبية الطلبات الاسرائيلية رغم انها تتعارض مع المصالح الامريكية في الكثير من الاحيان.
تخوفه من خفوت نبرة التصعيد الامريكي نحو ايران بالتزامن مع بروز اتجاه قوي في الادارة الامريكية يميل الى منح الدبلوماسية والتفاوضفرصة, وبالفعل تم عقد عدة اجتماعات في مسقط وجنيف, وهذا ما دفع نتنياهو للاسراع بالزيارة على امل اجهاض هذه المفاوضات والنفخ في ابواق الحرب من جديد.
كذلك الى ذلك قدم للرئيس ترامب ملفاً يشمل معلومات سرية حول تسليح الصين وروسيا لايران ونوعية الاسلحة وكيفية التعامل معها, هذا بالاضافةالى الضغط على ترامب ليقوم بدوره بالضغط على الرئيس الاسرائيلي هيرتسوغ للعفو عن (نتنياهو) كما سبقت الاشارة.
او لعله نوع من انواع الخداع الاستراتيجي الرامي الى تراخي الاستعدادات العسكرية الايرانية ومن ثم مفاجأتها بالضربة المخطط لها....!!!...غداً لناظره قريب...!!!
د. سمير الددا



.jpeg)

.jpeg)