زيارات الحوض الشرقي وكوركول

تبدو الزيارات الرسمية التي قام بها رئيس الدولة إلى ولايتي الحوض الشرقي وكوركول وكأنها تندرج ضمن منطق طقوسي في الممارسة السياسية، منفصل بعمق عن الواقع الاجتماعي وعن الحاجات الأساسية للسكان.

وقد تميّزت هذه التنقلات بخطابات مطوّلة، متكررة، فقيرة من حيث الإعلانات الملموسة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام السياسي على تصور وتنفيذ سياسات عمومية فعّالة، موجهة نحو تحسين الظروف المعيشية للمواطنين بشكل ملموس.

ومن خلال تحليل هذه الأحداث، يتضح أن الدولة تفضّل إخراج السلطة في بعدها الرمزي على حساب تقديم استجابات جوهرية لقضايا التنمية.

ومن أبرز السمات اللافتة لهذه الزيارات الحضور الطاغي للخطاب. غير أن هذه الخطب، التي تتسم غالبًا بالإسهاب واللغة الإنشائية، لا ترافقها قرارات تنفيذية واضحة المعالم ولا آليات تقييم تمكّن من قياس أثرها الحقيقي. وهكذا، تفقد هذه الخطابات تدريجيًا مضمونها، وتتحول إلى ممارسة شكلية منفصلة عن متطلبات الفعل.

وفي هذه المناطق، تبقى الحاجات معروفة وموثقة على نطاق واسع، وفي مقدمتها: الولوج إلى الخدمات الصحية، أمن الأشخاص والممتلكات، البنى التحتية الأساسية، وخدمات عمومية فعّالة. غير أن الغياب المستمر للحلول العملية لهذه الإشكالات يعكس أزمة عميقة في الفعل العمومي، حيث تحلّ التواصلية محل القرار، وتتحول صياغة النوايا إلى بديل عن السياسات الفعلية.

ومن الجوانب الإشكالية البارزة لهذه التنقلات التعبئة الواسعة للسكان المحليين. إذ تُجبر هذه الفئات، تحت وطأة المتطلبات التنظيمية المحيطة بزيارات رئيس الدولة، على تعليق أنشطتها اليومية، أحيانًا لعدة أيام، على حساب مصادر رزقها. ولا يمكن اعتبار هذه التعبئة تعبيرًا عن انخراط مواطني طوعي، بل أقرب إلى التزام اجتماعي وإداري يهدف إلى إنتاج صور احتفالية تُستخدم لإضفاء الشرعية على السلطة القائمة.

إن عملية صناعة إجماع بصري ورمزي من هذا النوع تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا: واقع مواطنين هشّ يومهم المعيشي، وتُستغل مشاركتهم أساسًا لتغذية سردية رسمية حول التأييد الشعبي. وهكذا، يتحول الحماس المعروض إلى إنتاج سياسي، منفصل إلى حدّ بعيد عن الإحباطات والتطلعات، بل وعن خيبة الأمل العميقة التي تعيشها فئات واسعة من السكان المعنيين.

كما أن التعبئة شبه الكاملة للجهاز الحكومي المرافق لهذه الزيارات تكشف انحرافًا آخر ذا دلالة، يتمثل في انشغال الدولة بملء أجندتها الزمنية أكثر من انشغالها بتحسين قدرتها على الفعل. فالأمسيات الطويلة، والأيام المرهِقة المخصصة للمراسم والاجتماعات والخطابات، تعكس بيروقراطية مفرطة للعمل السياسي، حيث يُستهلك الزمن بدل أن يُستثمر.

ولا تفضي هذه الضخامة المؤسساتية إلى تنسيق فعلي أو سياسات قطاعية منسجمة، بل تكشف، على العكس، عن عجز بنيوي في تحويل الحضور الميداني للدولة إلى تدخل عمومي فعّال. فالدولة تتحرك دون أن تنجز، وتتحدث دون أن تُحدث تغييرًا، وتشغل المكان والزمان دون أن تمسّ البُنى الاجتماعية أو تحسّن الشروط المادية للعيش.

وما يتجاوز هذه الزيارات في حد ذاتها، أنها تكشف عن اختلال أعمق يتمثل في عجز النظام السياسي عن إنتاج المنفعة العامة. وأمام هذا العجز، يبدو أن الدولة تلجأ إلى استراتيجيات لإدارة رمزية للسلطة، تسعى من خلالها إلى خلق وهم الفعل عبر تكثيف التنقلات والخطابات والمشاهد الاستعراضية.

ويعكس هذا المنطق التعويضي، حيث يحلّ الاستعراض السياسي محل السياسة العمومية، حالة إنهاك واضحة في نموذج الحوكمة القائم. فلم يعد فعل الدولة موجّهًا نحو حل المشكلات، بل نحو تدبير الزمن، واحتلال الفضاء العمومي، وترسيخ صورة مركزية للسلطة التنفيذية. وهكذا، تتحول الأجندة الزمنية إلى أداة للحكم، لا لإنتاج النتائج، بل لتأجيل الإجابات المنتظرة إلى أجل غير مسمى.

وبناءً على ذلك، فإن زيارات رئيس الدولة إلى الحوض الشرقي وكوركول، كما تمّت إدارتها، لا تبدو أدوات للتنمية الترابية بقدر ما تمثل كاشفًا لأزمة عميقة في الفعل العمومي، من خلال استبدال الفعل بالكلام، والمضمون بالإخراج، والمشاركة المواطنيّة بالتعبئة القسرية بدل المشاركة الحقيقية

أربعاء, 11/02/2026 - 11:17