لغة الأرقام… وحدود القدرة على الإقناع

في دروس الاقتصاد السياسي بالجامعة، كنا نتعلّم أن الأرقام ليست، بطبيعتها، محايدةً تمامًا، وأن الإحصاء — على الرغم من فائدته التي لا جدال فيها — قد يتحوّل أحيانًا إلى أداة للإقناع أكثر منه وسيلةً لكشف الحقائق. وفي هذا السياق تُستحضر كثيرًا المقولة الشهيرة:

«هناك ثلاثة أنواع من الأكاذيب: الأكاذيب، والأكاذيب المقدّسة، والإحصاءات».

 

ولا يُستدعى هذا القول هنا للتشكيك في صدقية خطاب معالي الوزير الأول أمام الجمعية الوطنية، ولا للطعن في حقه المشروع في استخدام لغة الأرقام — وهي لغة مشروعة وضرورية في تقييم السياسات العمومية.

 

غير أن التجربة المقارنة، كما المعايشة اليومية للمواطن، تُظهر أن قوة الخطاب القائم على الأرقام لا تكمن في الأرقام ذاتها، بل في قدرتها على التحوّل إلى آثار ملموسة في الواقع. فعندما تستمر اختلالات الإدارة، وتتجذّر أوجه القصور في الحوكمة، وتظلّ مظاهر الهدر — باعتراف الجميع — عائقًا بنيويًا، يبقى الخوف قائمًا من أن تظلّ الأرقام حبيسة التقارير، من دون أي تحسّن محسوس في ظروف العيش، ولا تطوّر حقيقي في أساليب التسيير.

 

وعليه، فإن الإشكال لا يتعلّق بلغة الأرقام في حد ذاتها، بقدر ما يتعلّق بالمسافة التي قد تتسع بين ما يُعلَن وما يُعاش. إذ إن اللحظة التي يدرك فيها الرأي العام أن الأرقام لم تُترجَم إلى إصلاحات فعلية هي ذاتها اللحظة التي تتآكل فيها الثقة — لا في الأشخاص فحسب، بل في الخطاب العمومي ذاته.

 

ومن ثمّ، فإن التحدّي الحقيقي لا يتمثّل في إقناع النواب بالأرقام، بل في إقناع المواطنين بآثارها.

 

عبد القادر ولد محمد

Le Calame

ترجمة: أقلام

أحد, 08/02/2026 - 10:28