
ليست الأزمة التي تعيشها السنغال هذه الأيام مجرّد خلاف داخل هرم السلطة، وليست ـ كما يحلو للبعض تبسيطها ـ مشاجرة سياسية بين رئيس ووزيره الأول. ما يجري في داكار أعمق بكثير، وأخطر مما تبدو عليه السطحية الإعلامية: إنها مواجهة بين مصدرين مختلفين للشرعية، بين رئيس منتخب يحظى بثقة مؤسسات الدولة ودوائر القرار الدولية، ووزير أول يبني نفوذه على موجة شعبية لا تخفي طموحه الجامح نحو الكرسي الأول.
هذه الثنائية المربكة تهدد بتحويل التجربة السنغالية، التي لطالما كانت استثناءً استقرارياً في محيط مضطرب، إلى ساحة تنافس مفتوح لا تُعرَف نهاياته. ومع كل خطوة يتقدم فيها التوتر، تتسع الشروخ داخل بيت سياسي اعتاد الانسجام، وتتعالى المخاوف حول مستقبل إدارة دولة كانت دوماً النموذج الأكثر صلابة في غرب إفريقيا.
موريتانيا في قلب العاصفة الهادئة
قد يعتقد البعض أن ما يحدث في السنغال شأن داخلي لا يعني جيرانها، لكن الجغرافيا لا تُدار بالانطباعات، بل بالحقائق الصلبة. والواقع أن موريتانيا هي أقرب الدول تأثراً بالأزمة السنغالية، وربما أكثرها هشاشة أمام تداعياتها.
أمننا القومي لا يبدأ في نواذيبو أو روصو، بل يبدأ هناك، في داكار وباماكو. وكل اختلال، ولو محدودًا، في الجنوب ينعكس فورًا على توازن بلد يجلس على تقاطع هشاشة الساحل وطموحات الأطلسي.
فماذا يعني أن تدخل السنغال في أزمة قيادية حادة؟
أولاً: حدودنا الجنوبية ستشعر بالارتجاج
منطقة نهر السنغال حساسة بطبيعتها، وقد واجهت تاريخيًا موجات توتر عابرة للضفتين. أي انفلات سياسي في داكار سيعيد تنشيط شبكات التهريب، ويزيد الضغط على الأجهزة الأمنية، ويرفع احتمالات التحرك غير المنضبط للسكان العابرين للحدود.
ثانيًا: مشروع الغاز المشترك على المحك
المرحلة الثانية من مشروع احميم، التي تتطلب تنسيقًا محكمًا بين نواكشوط وداكار، قد تتأثر بتجاذبات داخلية في السنغال. القرارات المالية والاستراتيجية الكبرى تحتاج قيادة مستقرة وواضحة، لا حكومتين داخل حكومة واحدة.
ثالثًا: الاقتصاد الموريتاني سيدفع الثمن مباشرة
السنغال هي بوابة الجنوب الاقتصادية لموريتانيا. اضطرابها يرفع تكاليف النقل، ويؤخر البضائع، ويخلق مناخًا إقليميًا طاردًا للاستثمارات.
رابعًا: التحالفات الإقليمية قد تعاد صياغتها
مع سقوط منظومة G5 الساحل، أصبح العمق الجنوبي لموريتانيا أكثر أهمية. أي ضبابية في الموقف السنغالي ستترك مجالاً لقوى جديدة للتحرك، وربما لتحويل توازنات المنطقة بطرق غير محسوبة.
ولماذا الجنوب… وليس الشمال؟
من المريح لبعض الوجدان الموريتاني الاعتقاد بأن الشمال هو مجالنا الحيوي الأول، بحكم التاريخ والوشائج والثقافة. لكن هذا الشعور لا يصمد أمام الواقع الاستراتيجي.
ففي اللحظة التي يتصدع فيها الجنوب، تتصدع معها ثلاثة أركان أساسية لمستقبل موريتانيا:
الأمن الإقليمي
الاقتصاد العابر للحدود
مشاريع الطاقة الكبرى
هذه ليست ملفات قابلة للتأجيل، ولا ترفًا دبلوماسيًا، بل عناصر وجودية في بناء استقرار موريتانيا خلال العقد القادم.
ليست أزمة السنغال وحدها… بل اختبار المنطقة بأكملها
إذا تحولت الأزمة السياسية في السنغال إلى مواجهة مفتوحة، فلن تكون داكار وحدها من يدفع الثمن. سنجد أنفسنا داخل دائرة التأثير مباشرة، بقوة الجغرافيا وصرامة المصالح.
السنغال ـ بمؤسساتها، وديمقراطيتها، وشراكاتها الدولية ـ كانت لسنوات صمام أمان لإقليم يموج بالاضطراب. وإذا انفرط هذا الصمام، فإن موجة الارتداد الأولى ستضرب نواكشوط قبل أن تصل إلى أبعد نقطة في الساحل.
لهذا، فإن مراقبة ما يجري في داكار ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية.
ولعل الدرس الأهم هو أن مستقبل موريتانيا، مهما حاول البعض تجاهله، سيُحسم من الجنوب أكثر مما يُحسم من الشمال.



.jpeg)

.jpeg)