
في أحدث تقاريرها السنوية، كشفت محكمة الحسابات عن صورة مقلقة لتسيير شركة الموريتانية للطيران، مبرزة سلسلة من الاختلالات المالية والإدارية التي تهدد مستقبل الناقل الوطني. التقرير، الذي يغطي سنتي 2022–2023، أشار إلى فساد إداري، وتسيير غامض، وديون متراكمة، مؤكداً أن الشركة باتت تعكس نموذجًا صارخًا لأزمة الحوكمة في المؤسسات العمومية
إدارة مالية مشوبة بالغموض
كشف التقرير عن وجود مخالفات محاسبية جسيمة، أبرزها عدم تسوية حساب «الودائع والتأمينات المدفوعة» الذي ظلت مبالغه مجمدة دون مبرر، وعدم تسجيل مخصصات لرصيد مودع في بنك أجنبي مما يعرض الشركة لخسائر غير متحكم فيها، وغياب جرد لمعدات وقطع غيار الطائرات، وأخطاء في احتساب الإهلاك شوهت البيانات المالية. كما لاحظت المحكمة أن المخزون غير محدّث وأن بعض المخصصات أُدرجت بطريقة خاطئة، مما جعل من قراءة الوضع المالي الحقيقي أمراً مستحيلاً، في ظل غياب الصرامة المحاسبية داخل شركة تدير مليارات الأوقية من المال العام.
محاباة وغياب للشفافية في التسيير الداخلي
ورصد التقرير ممارسات مخالفة لقواعد الصفقات العمومية، منها توظيف مقدمي خدمات دون منافسة، واختيارهم بناءً على العلاقات الشخصية أو التفضيل، ومنح امتيازات غير مبررة لبعضهم، وعدم اقتطاع الضريبة على الأجور (ITS) من بعض العلاوات، وتراكم الديون الضريبية غير المسددة، إضافة إلى التهاون في تحصيل المستحقات، خصوصاً من شركاء أجانب. كما تم تسجيل دفع فواتير بلا رقم تعريف ضريبي، ما يفتح الباب أمام الإنفاق غير المراقب ويقوض مصداقية الشركة.
أسطول متعطل وخدمة متدهورة
على المستوى التشغيلي، لاحظت المحكمة أن جزءاً كبيراً من الأسطول خارج الخدمة بسبب ضعف الصيانة الدورية، وأن تنوع نماذج الطائرات المستخدمة يزيد من تعقيد عمليات الصيانة ويرفع التكاليف. وقد أدى ذلك إلى إلغاء وتأخير العديد من الرحلات، متسبباً في خسائر مالية فادحة وتراجع ثقة المسافرين. وحذرت المحكمة من أن هذه الوضعية «تهدد بشكل مستمر قدرة الشركة على أداء دورها كمرفق عام منتظم».
غياب الحوكمة والمساءلة
أشار التقرير إلى أن الشركة تعاني من غياب شبه تام للحوكمة، حيث لم يقم مجلس الإدارة بدوره الرقابي، فيما تُتخذ القرارات غالباً دون مبررات اقتصادية أو في ظل ضغوط سياسية. وحذرت المحكمة من خطر الإفلاس الفني في حال عدم تطبيق إصلاحات هيكلية عاجلة.
دعوة لإصلاح شامل
أوصت محكمة الحسابات بإعادة هيكلة شاملة لشركة الموريتانية للطيران، تشمل اعتماد نظام محاسبي موحد وموثوق، وتعزيز الرقابة الداخلية على النفقات والعقود، واسترجاع الديون الضريبية والتجارية، وتكريس مبادئ الكفاءة والشفافية والمسؤولية في التسيير.
مرآة لسوء الحوكمة العامة
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الموريتانية للطيران أصبحت رمزاً لاختلالات الإدارة العمومية في البلاد، إذ تجاوزت أزمتها مجرد تأخر الرحلات إلى أزمة أعمق تمس جوهر الانضباط المالي والإداري. فالشركة التي كان يُفترض أن تكون واجهة موريتانيا في الأجواء الإفريقية، تحولت إلى مرآة لفساد إداري وتسيير مرتجل.
وختم التقرير بعبارة لافتة: «لقد آن الأوان لإصلاح المحركات المالية… قبل إصلاح الطائرات.».
بن عبد الله
القلم



.jpeg)

.jpeg)